وتأملوا من بعد هذا الحديث العظيم الذي فيه صراحة ووضوح في لفظه من رواية أنس عن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له) رواه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه بسند صحيح.
أي: لا يكمل إيمانه، ولا يصدق إيمانه، ولا تتجلى ولا تظهر آثار إيمانه، فذلك الذي خان أمانته، وذلك الذي أكل الحرام، وذلك الذي ضيع المسئولية، وذلك الذي ظلم فنحى صاحب الحق وقدم غيره لمصلحته، وذلك الذي أشاع الفساد في المجتمع بتضييعه للأمانة، وذلك الذي جعل الحقوق ضائعة وجعل الأمانة مهدرة، إن فعله ليس مقتصرًا على أنه أخذ مالًا في جيبه من سحت أو حرام، بل إنه في حقيقة الأمر يفسد في الأرض فسادًا عظيمًا، ويورث ويوجد في النفوس وفي القلوب قبل الأحوال والأفعال والأقوال فسادًا خطيرًا وانحرافًا عظيمًا وشرًا مستطيرًا وبلاءً يخشى على الناس جميعًا من آثاره وعقوبته الربانية.
فحديث: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له) قائله الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، فإن رأيت مضيعًا للأمانة فاعلم ما قاله أهل العلم في ذلك، وما بينوه في حقيقته فإن في ذلك أمورًا كثيرة، والأمر بهذه الأمانة ظاهر جلي واضح مرتبط بالإيمان في قوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ} [النساء:58] .