لعلنا ندرك ذلك -أيضًا- في وقفة رابعة مهمة نربطها بواقع عصرنا لنرى صورة الأعداء في ذلك الزمان وهذا الزمان، لنرى أننا إذا نظرنا بعين البصيرة، وإذا قرأنا الأحداث بقلب المؤمن وجدنا فيها جلاء ووضوحًا لكل ما يمر بنا أو يقع حولنا في عصرنا هذا، كان مما ذكر أهل السير أن عاتكة بنت عبد المطلب قبل أن تكون المعركة وقبل أن يصل ذلك الرسول الذي أرسله أبو سفيان ليستنجد قريشًا ويستحثها لإنقاذ ثرواتها رأت رؤيا، ورأت في هذه الرؤيا مقتل عدد من الصناديد الذين كانوا من زعماء الكفر في قريش، وأن صخرة تفتت فما بقي دار إلا وصل إليها منها حجر.
ثم من بعد ذلك كانت رؤيا لـ جهيم بن الصلت من بني هاشم قبيل المعركة، وكان فيها أن رجلًا أقبل فما زال يقول: قتل فلان وفلان وفلان.
وسمى من سمى من صناديد قريش، ثم قال: فنظرت إليه فإذا به يطعن لبة بعيره ثم يكون من دمه ما أصاب كل أحد.
وهذا أبو جهل زعيم الكفر في بدر، ويمكن أن نصوره في عصرنا بألد الأعداء وأشرسهم ممن يناوئون دين الله عز وجل ويحاربون أهل الإسلام، تأمل فيما قال أبو جهل وهو ينكر هذا، وهو يستعظمه، وهو يتندر به في شأن عاتكة للعباس: ما كفانا منكم -بني عبد المطلب - حين تنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم.
يستهزئ ويسخر، ثم قال عندما روجع في ذلك حتى يرجع عن هذا القتال وقد مضت قافلتهم وسلمت أموالهم وانقضى السبب الذي لأجله خرجوا قال: والله لا نرجع حتى نرد بدرًا -وكانت بدرًا موسمًا يجتمع فيه العرب في بعض الأوقات- فنقيم عليها ثلاثًا فننحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرنا ومقامنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا بعدها، فامضوا واثبتوا.
ويقول في موضع آخر سعى حكيم بن حزام إلى عتبة وقال له: قد نجت القافلة، وإنما نطلب محمدًا بدم ابن الحضرمي، وإنه حليفك فتحمل عنه دمه.
فقال: أفعل.
اذهب بهذا إلى ابن الحنظلية -يعني أبا جهل - وقل له.
فقال أبو جهل في هذا الأمر ما قال.
ثم كذلك جاء موقف ثالث في أحداث السيرة يبين لنا صورة أخرى سنربط بها واقعنا هذا فعندما تعين القتال وأصر عليه أبو جهل وساق الناس إليه سوقًا وحشدهم إليه حشدًا وثبتهم فيه رغمًا عنهم استفتح أبو جهل كما ورد في الصحيح وظل يدعو الله عز وجل، وهذا من العجائب أن يكون كافرًا بالله محاربًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعاديًا للدين الحق ثم يدعو فيقول: اللهم! أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة.
أي: من كان منا أقطع للرحم، ومن جاء بما لا نعرف وأساء إلينا فاجعل هلكته اليوم.
وفي ذلك تنزلت الآيات: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ} [الأنفال:19] فما الحكمة وما السر في دعاء أبي جهل هذا؟ إنه يريد أن يقول لمن معه: ليس محمد صلى الله عليه وسلم وحده متصلًا بالله، بل نحن كذلك موصولون بالله، ولأن كان محمد يستنجد ويستنصر بربه فنحن كذلك نستنجد ونستنصر بالله.
يريد أن يجعل للمسألة بعدًا دينيًًاً ومفاضلة عقدية، كما يقول زعماء الكفر في عصرنا: إن الله أمره اليوم بأن يقاتل هنا أو هناك.
وهو لا يعلم أنه على ضلال كبير وكفر عظيم، بل هو رأس من رءوس الكفر، بل ربما رأسه الأكبر الذي تولى كبر حرب الإسلام والمسلمين، نسأل الله عز وجل أن يجازيه بما يستحق.
عندما نتأمل في هذا المعنى نضيف إليه -أيضًا- مقالة ووقفة أخرى مع أبي جهل تربطنا بواقعنا لنرى كيف كان الأمر، فعندما جاء خفاف بن إيماء الغفاري -وقيل: أبوه- ومر قريبًا من مكة قبيل مسير الكفار إلى بدر وقد علم بالخبر، فأرسل إليهم جزائر -أي: بعض الجزور والإبل هدايا لهم- وقال: إن شئتم أن أمدكم بسلاح ورجال فعلت.
فردوا له مع ابنه شاكرين له، وقالوا: وصلت الرحم، ولئن كنا نقاتل محمدًا بالناس فإنا لمنتصرون، ولئن كنا نقاتل الله مع محمد كما يزعم فما لأحد بالله من طاقة.
لقد كان أبو جهل أعقل من كفار اليوم الذين تحدوا حتى الرب سبحانه وتعالى في مقالتهم وأفعالهم.
صحيح أنهم قالوا ذلك تهكمًا وقالوه إنكارًا وجحودًا لما كان يقوله محمدًا صلى الله عليه وسلم، ولكنه في الوقت نفسه دلالة على شيء من التوازن الذي أراد به أبو جهل وغيره أن يسوقوا الناس إلى المواجهة والقتال بنوع من الحمية الجاهلية ونوع من الإسناد المعنوي العقدي الديني ليحشدوا الناس في مواجهة خاسرة، مواجهة الباطل مع الحق والشر مع الخير، والعاقبة للمتقين، ولتعلمن نبأه بعد حين، فقد وعد الله سبحانه وتعالى أن ينصر من نصروه، وأن يكون مع من آمنوا به، وأن ينجي الذين آمنوا بإذنه سبحانه وتعالى، فمن قدم العهد وصدق الوعد جاءه بإذن الله عز وجل نصر الله سبحانه وتعالى {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لا غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ} [الأنفال:48] فغرهم الشيطان بحشدهم وبجمعهم وبقوتهم وبتزيينه لهم أنهم ينصرون، ثم تخلى عنهم فكانت الهزيمة ماحقة؛ لأن الصف الآخر كان مؤمنًا، ولأن القلوب كانت بالله معلقة، ولأن النصر استمد من الله لا من قوة الأرض ولا من أسباب المادة ولا من كثرة العدد ولا من حسن الأسلحة بحال من الأحوال، وذلك فقه الإيمان الذي ينبغي أن نعرفه وأن نتقنه.