ولعلي أقولها صريحة: من أعظم أسباب ضعفنا وذلنا أنه قد كثر فيما بيننا هجر الصلوات، وعدم أدائها بالكلية، فضلًا عن التفريط والتقصير والتأخير، وغياب القلب، وذهاب العقل في أثناء أدائها، فإذا كانت هذه الركيزة وتلك الفريضة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها من آخر ما يحل من عرى الدين، فكيف بنا بعد ذلك نسأل: أين نصر الله الغائب المرتقب؟! أين العز والتمكين الذي تتوق إليه النفوس؟! إنه أمر واضح وبين.
احرص على شهود الجماعات، أين هذه الجموع الغفيرة في الصلوات؟ ومع النداء والأذان؟ وفي الصفوف الأولى؟ كيف نريد أن نتقدم لمواجهة أعدائنا ونحن لا نبادر ونتقدم لطاعة ربنا؟ كيف نتنافس في ميادين الجهاد في قتال عدونا ونحن لا نتنافس في السبق إلى مرضاة ربنا، وأداء فرائضه سبحانه وتعالى؟! إنه لابد لنا أن نعي وعيًا عميقًا أن هذا مرتبط بذاك، وأنه مقدمة له، وأنه سبب معين عليه، وأنه الذي يكون بإذنه سبحانه وتعالى بداية لما يأتي بعده من الخير: {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ} [إبراهيم:31] ، والله جل وعلا قال: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [النور:56] ، {وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ} [الحج:35] ، {وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ} [النساء:162] ، بصيغة الجمع والجماعات التي بترت إلا من رحم الله، حتى قال ابن مسعود مقالته في عهده وزمانه، محذرًا ومنبهًا ومذكرًا بالعهد الأول الذي بناه وعلمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فماذا يقول ابن مسعود؟ (من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن؛ فإن الله تعالى جعل لنبيكم سنن الهدى وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم تصلون في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف) .
كيف نواجه أعداءنا ونستنزل نصر ربنا وفينا نفاق؟! أخبر ابن مسعود بأنه كان أمرًا واضحًا جليًا معلومًا عند جيل الصحابة (وما يتخلف عنها إلا رجل معلوم النفاق) ، ويخبرنا أنها من سنن الهدى، وأن تركها ترك لسنن الهدى، وأن ترك سنن الهدى مقدمة للضلال والغي والانحراف الذي تلفعت به أمتنا ردحًا من الزمن، وما يزال فئام من أبناء الإسلام يعيشون في ظلامه وغياهبه، ويدرجون في ضلالاته ومتاهاته، بعيدًا عن هدى الله، بعيدًا عن الصلة بالله، بعيدًا عن طاعة الله، بعيدًا عن بيوت الله، بعيدًا عن الأخوة في الله، بعيدًا عن استماع آيات الله.
كيف نرشد؟ كيف نصلح؟ كيف نستطيع أن نقوى ونعز؟ كيف نستطيع أن نجابه ونقاوم وفينا مثل هذا الخلل الأعظم الكبير؟! إنه خطاب قد قاله الله جل وعلا في كتابه، وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، وتواصى ويتواصى بذلك كل أهل الإسلام في كل زمان ومكان، ولعلي أعيد ما قلته: قد يقول القائل: ما لنا نتحدث في هذه الأصول، وتلك البدهيات المعروفة؟ وأقول: هل أغنى عرفانها والعلم بها عن التحقق والالتزام بها؟ أين نحن من ذلك ونحن لا نرى إلا خللًا وضعفًا وتقصيرًا وتفريطًا وابتعادًا عن كل هذه الأمور الأساسية المهمة؟!