بعد سنتين نعود إلى جولة أخرى وهي جولة عين جالوت، وعندما نتأمل سنجد ومضات النصر ظاهرة أيضًا، فهنا المظفر قطز أجرى الله على يديه هذا النصر، ماذا كان من حاله؟ سمع بأمر التتار، وأخذهم لبلاد الشام، وأنهم يريدون أن يتوجهوا إلى مصر فماذا صنع؟ ما انتظرهم ولكن توجه إليهم بجيوشه، قال ابن كثير: وقد اجتمعت الكلمة عليه حتى انتهى إلى الشام، يعني: اجتمعت الكلمة من بعض القواد والأمراء المسلمين، ووصف هذا الملك بأنه كان شجاعًا وصالحًا، قال ابن كثير: لا يتعاطى شيئًا مما كان يتعاطاه الملوك والأمراء في ذلك الزمان، أي: من المعاصي والمفاسد.
فاجتمع هو والتتار في عين جالوت في الجمعة في اليوم الخامس والعشرين من شهر رمضان، فاقتتلوا قتالًا عظيمًا، فكانت النصرة -ولله الحمد- للإسلام وأهله، فهزموا التتار المنتصرين قبل سنتين في بغداد، والذين فعلوا تلك الأفاعيل، فهزموا، وتتبعتهم جيوش المسلمين حتى بلغوا دمشق، ثم تبعوهم إلى حلب، وهم يفرون، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة تجاوزت عشرات الآلاف، إلى ما يقرب من مئات الآلاف.
هذا النصر يدل على مثل هذه الصورة عندما تهيأت بعض أسباب النصر، قال: وقتلت العامة في ذلك الوقت في وسط الجامع شيخًا رافضيًا مصانعًا للتتار على أموال المسلمين.
وهكذا وطهروا ذلك المجتمع من مثل هذه الانحرافات.
ثم قال ابن كثير في وصف قطز: وكان شجاعًا بطلًا، كثير الخير، ناصحًا للإسلام وأهله، وكان الناس يحبونه ويدعون له كثيرًا، قال: ولما كان في القتال قتلت فرسه، فظل يقاتل وهو واقف ينتظر الإمداد، فجاء بعض الأمراء ليعطونه فرسًا بديلًا عنه، فرفض ذلك وظل يقاتل، قالوا: لماذا لم تقبل ونحن نريد ألا تهزم فينهزم بك الإسلام والمسلمون؟ فقال: أما أنا لو قتلت فكنت أذهب إلى الجنة، وأما الإسلام فله رب لا يضيعه.
هذه المواقف تبين لنا ملامح الهزائم وأسبابها كما تبين لنا ومضات الانتصارات وأسبابها.
إذًا: أيها الإخوة! المقصد هو أننا عندما نرى نصرًا فإننا ينبغي لنا أن ننظر إلى ما قبله، ونرى صورة الأمة وأحوالها في ذلك الوقت، وكذلك أمر الهزيمة، فإن مثل هذه الصور تبين لنا أن سبب الهزيمة التي تقع على المسلمين اليوم إنما هو بمثل هذه الأسباب التي ذكرت من ضعف قوتها العسكرية، ومن غياب القيام بالواجب من قياداتها السياسية، ومن وجود التفرقة والاختلافات والمنازعات فيما بينها، وكذلك في إعلانها للمعاصي ومجاهرتها بها، وإعلانها الحرب على الله سبحانه وتعالى بما تجهر به من معاصي، وهذا هو الذي ينبغي أن نفقهه وأن نفطن إليه، وأن نعرف توجه أعداء الأمة لترسيخ هذه المعاني والمعالم في حياة الأمة.