الجانب الثالث: جانب الجهاد، وهو أحد معالم هذا الدين، بل عده بعض العلماء الركن السادس من أركان الإسلام تأكيدًا على أهميته.
ونظرًا لاقتران الحياة الإسلامية التي بدأت تعود إلى المجتمعات المسلمة بشمول هذا الدين وبقواه الفاعلة كان لها ارتباط بهذا المبدأ وبهذا الفرض الكفائي الذي ينتقل أحيانًا إلى أن يكون عينيًا، فلذلك كان التركيز على هذا الأمر وتشويهه والالتفاف حول قضاياه بشكل أو بآخر، فتجد أن هذا المبدأ الذي قام أو يقوم على أساس ديني وعلى أساس فيه حماية لهذا الدين ونشر له يحور في حس هؤلاء بطريقة ملتفة أحيانًا وواضحة أحيانًا أخرى.
فأحدهم يقول: فلا الحرب التي سميت بحرب الردة كانت دينية، ولا حرب علي رضي الله عنه مع خصومه كانت دينية؛ لأنها كانت حروبًا في سبيل الأمر -أي: الرئاسة والخلافة والإمامة- وهذه تعتبر طبيعة سياسية ومدنية، ومن ثمَّ كانت الحرب التي نشبت لأجلها سياسية ومدنية هي الأخرى، وليس لها أي مبدأ من مبادئ الإسلام.
ويصور هذا الكاتب التحليل التاريخي للجهاد أنه لم يستقر على مبدأ ديني ثابت ومطلق، وإنما يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم نشأ في بيئة قريش، وكفار قريش كانوا متطرفين في العداء ضد الإسلام، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يصبر، وأن يتلافى الصدام مع قريش في ذلك الوقت، ثم لما انتقل النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة نزل قول الله سبحانه وتعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} [الحج:39 - 40] ، فيأتي هذا المحلل لمثل هذه الآية ويقول: الجهاد على مقتضى هاتين الآيتين ليس حربًا مقدسة مطلقة غير مشروطة، وإنما هي حرب مقيدة مشروطة، فهي تحدد السبب، وتشير إلى الأعداء، وتضع ضوابط، وتسن الأخلاقيات! ثم ينطلق ليحلل باقي الفترات التاريخية والجهاد الإسلامي فيقول: من الخطأ أن نعتبر أن قتال الدولة الأموية التي توسعت بعد الخلافة الراشدة كان جهادًا إسلاميًا، بل كان عبارة عن توسع سياسي وسيطرة في ظل وجود قوة داخلية، إذا ما كان هناك استثمار لها في الحروب يمكن أن تبدل مشاكل داخلية! ويقول: الدولة الأموية كان فيها معارضة سياسية، وكان فيها نعرات تواجه القومية العربية -كما تسمى- وبالتالي كان من الحنكة السياسية التي تجمع بين أمرين تفريغ هذه المشكلات إلى الخارج، واكتشاف مناطق نفوذ أخرى.
إذًا: ستتوجه هذه الكوادر والتفاعلات إلى القتال باسم الجهاد، وباسم الدين؛ حتى يصرفوا هؤلاء الناس عن معارضة الدولة إذا صح التعبير! أي: أن هذا الجهاد الذي كان في الفترة الأموية لم يكن جهادًا إسلاميًا، ولم يكن فيه شهداء، ولم يكن فيه أي شيء من هذه الأشياء التي تغرينا.
بل قاموا باستعراض بقية فترات التاريخ التي تتضح فيها هذه الناحية، وأظهر شيء يتحدثون عنه هو الخلافة العثمانية وما كان من شأنها وتوسعها.
ثم ليس هذا فحسب، بل حتى الجهاد والحرب ضد أهل الكتاب أيضًا يفسر تفسيرات أخرى، فنجد أن الآيات القرآنية الصريحة الواضحة في الأمر بالجهاد تحور لتكون ذات أهداف محدودة.
فهذا العشماوي يقول: الجهاد أو الحرب المقدسة بصريح نصوص القرآن وصحيح الواقع الإسلامي هو: دفاع عن النفس لرد عدوان أو صد أذى؛ فهو لا يكون على الإطلاق ابتداءً بالعدوان، كما لا يكون فقط مبادرة بالإيذاء، وإنما على قدر ما يكون العدوان يكون الرد، وعلى نحو ما يكون الإيذاء يكون الأذى.
أي: أنه يلتزم بضوابط الدفاع، فلا يزيد عما يكفي لرد العدوان، وبهذا المعنى يكون الجهاد أسلوبًا كريمًا وباعثًا قويًا ودافعًا ساميًا للارتقاء بالذات، والسمو بالنفس، والعلو بالروح! أي: أنه جعل الجهاد المذكور في النصوص عبارة عن جهاد النفس، وأما النصوص الأخرى فإنما تعني فقط الحالات التي كان فيها عداء معين يقتضيه الواقع السياسي الذي كان في ذلك الجانب.
ثم يقول: إن المعنى السليم للجهاد فسر خطأً من جانب بعض الفقهاء، وحرف عمدًا من جانب بعض السلطات في التاريخ الإسلامي؛ فبعض الفقهاء الذين أثروا على العقل الإسلامي يقولون: إن الصلة بين الإسلام وغيره من الدول والمجتمعات هي الحرب دائمًا، وأن السلم ليس إلا هدنة مؤقتة ريثما يتهيأ المسلمون للحرب.
وزاد البعض أنه من غير الجائز لإمام المسلمين أن يتعاقد على سلم دائم مع بلد من بلاد الحرب؛ لأن في مثل هذا السلم إلغاء لفريضة الجهاد.
ولست أدري ماذا يريد بهذا البعض، ونحن نعلم أن كتب الفقه كلها بلا استثناء تشتمل على كتاب وباب كامل اسمه: الجهاد وأحكام الفيء والغنيمة، بل يقول الإمام النووي في المجموع: إن من واجبات الإمام: الغزو والجهاد في سبيل الله؛ قال: وأقله: أن يكون في العام مرة واحدة.
ونجد التفصيلات والتفريعات في أحكام الجهاد وفي أحكام الجزية في كتب الفقه وغيرها.