فهرس الكتاب

الصفحة 1805 من 2691

الحمد لله الذي شرح الصدور بالإسلام، ونور القلوب بالإيمان، وهدى البصائر بالقرآن، وجعل لنا في الطاعة خيرًا وسعادة، وكتب لنا في الاستقامة عطاءً وزيادة، له الحمد سبحانه وتعالى كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمدًاَ نلقى به أجرًا، ويمحو الله به عنا وزرًا، ويجعله لنا عنده ذخرًا.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.

وأشهد أن نبينا وقائدنا وحبيبنا وقدوتنا وسيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم الهدى، ومنار التقى، ختم الله به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس كافة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وكثّر به من بعد قلة، وأعز به من بعد ذلة، وأشهد أنه -عليه الصلاة والسلام- قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبيًا عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102] .

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1] .

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70 - 71] .

أما بعد: فها نحن نمضي مع الوصايا الربانية التي عرفنا قدرها ومقامها، ووقفنا على أهميتها وخطورتها، وأدركنا من قبل أنها سر النجاة، وسبب السعادة، والمخرج -بإذن الله- من كل فتنة، والعصمة من كل محنة؛ لأنها هدى الله عز وجل، وأوامره ووصاياه التي بدأها بقوله: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [الأنعام:151] .

ووصية هذا الموضوع هي الوصية التي أقرتها الفطر البشرية السوية، واتفقت عليها جميع الشرائع السماوية، وأقرتها وتواطأت عليها جميع المجتمعات الإنسانية، وهي التي تدل على الخلق المرضي، والعقل المهدي، والنهج السوي، وهي التي تكشف عن أصالة المعدن، وحسن الوفاء، وكريم المعاملة، إن هذه الوصية التي نتحدث عنها اليوم تكررت في كتاب الله كثيرًا، وتنوع الأمر بها والحرص عليها ودوام التذكير بها في سنة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم مرارًا وتكرارً، إنها قوله تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الأنعام:151] .

إنها الوصية بالوالدين، بر الوالدين، فالإحسان إلى الوالدين جاء في القرآن كثيرًا متنوعًا، وها هو تقديم الجار والمجرور في ذكر الوالدين وتأخير الإحسان لإظهار الاختصاص والقصر، وإطلاق لفظ الإحسان منكرًا ومنونًا ليكون عامًا شاملًا، ليكون إحسانًا في القول والفعل، وقسمات الوجه، ونظرات العين، ولمسات اليدين، وكل حركة وسكنة، وفي كل وقت وآنٍ، وفي كل ظرف وحال؛ لأنه إحسان مطلق، وإحسان يكون في كل أحوالهما، وفي كل أحوال أولادهما كذلك.

والفيروزآبادي في تعريفه لبر الوالدين ذكر كلامًا نفيسًا فقال: هو الإحسان إلى الوالدين، والتعطف عليهما، والرفق بهما، والرعاية لأحوالهما، وعدم الإساءة إليهما، وإكرام صديقهما.

غير أن كلامه وكلامي وكلام كل الخلق ليس بشيء مع كلام الله عز وجل ومع أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وعندما كنت أبحث وأقلب رأيت أن أمسك لساني إلا من ذكر الآيات ورواية الأحاديث؛ لندرك أن القضية دين وتشريع رباني، وأنها سنة وتشريع وهدي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومهما قال القائلون أو عبر أهل العلم فإن ما جاء في الكتاب والسنة أبلغ وأعظم، ولذا آثرت أن نقف مع هذه الوصية ومكانة الوالدين وبرهما مع الآيات القرآنية العظيمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت