فهرس الكتاب

الصفحة 1632 من 2691

ووصف ابن القيم الأمر الثاني وهو طبيعة النفس وما فيها من بعض العلل التي لا تبرأ منها إلا بالتزام الشرع وبتهذيب الإيمان وبتطهير وتمحيص الطاعات لله سبحانه وتعالى، فقال:"في النفس كبر إبليس، وحسد قابيل، وعتو عاد، وطغيان ثمود، وجرأة نمرود، واستطالة فرعون، وبغي قارون، وقحة هامان، وهوى بلعام، وحيل أصحاب السبت، وتمرد الوليد، وجهل أبي جهل"، وهذه كلها هي من أوصاف من كانوا بارزين في أبواب عظمى من المعاصي.

ثم قال:"وفيها من أخلاق البهائم: حرص الغراب، وشره الكلب، ورعونة الطاووس، ودناءة الجعل، وعقوق الضب، وحقد الجمل، ووثوب الفهد وصولة الأسد، وفسق الفأرة، وخبث الحية، وعبث القرد، وجمع النملة، ومكر الثعلب، وخفة الفراش، غير أن الرياضة والمجاهدة تذهب ذلك كله، فمن استرسل مع طبعه فهو من هذا الجند -يعني: من جند هذه الحيوانات وشاكلتها- ولا تصلح سلعته لعقد: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ} [التوبة:111] "، أي: أن النفس الخبيثة لا يمكن أن تكون ثمنًا للجنة، ولا أن تكون جزءًا من هذا العقد الرباني.

ثم قال:"فما للمشتري إلا سلعة هذبها الإيمان، فخرجت من طبعها إلى بلد سكانه التائبون العابدون".

إذًا: لكي نفهم أصل المسألة نعلم أن طبع النفس البشرية تميل إلى المعصية، والبيئة تحض أو تسهل أمرها، ومن هنا نعلم أن المسألة تحتاج إلى مجاهدة كبيرة، ولذلك من هذا المنطلق ومن حكمة هذا التشريع قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) .

وليس للإنسان عصمة من المعصية إلا ما قضى الله عز وجل من عصمة الرسل والأنبياء، وإلا فإن كل إنسان قد يقع في المعصية قليلًا أو كثيرًا نادرًا أو غالبًا، ولذلك إذا قُرر هذا فإن العلة والمصيبة والخطورة ليست في مجرد الوقوع في المعصية بقدر ما هي في استمرائها والاستمرار عليها وعدم الحذر منها إلى غير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت