فهرس الكتاب
فإذا كان رأسُ المال الحقيقي في هذه الحياة هو العملَ؛ من نية القلب، وحبه وبُغضه، ورغبته وخوفه، ورجائه ورهبته، وهمتِه وميله إلى الخير والشر، وكذلك ما يتكلم به اللسانُ ويخطُّه البَنان، وكذاك ما تفعله أو تُحجم عنه الجوارحُ، أو تهواه أو تصد عنه النفوس، فإنه رصيدٌ مجتمِعٌ ولا بد، وهو مدوَّن للإنسان أو عليه بواسطة الملائكة الحفَظة الكرام الكاتبين، وسيواجَه به، والمحاسِبُ ربُّ العالمين.
قال -تعالى-: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا * مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 13 - 15] ، وقد بعث الله الرسول هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، ومن قوله - صلى الله عليه وسلم: (( كلُّ الناس يغدو؛ فبائع نفسَه؛ فمعتقُها أو موبقُها ) )، وقال - عليه الصلاة والسلام - في فتن آخر الزمان: (( يصبح الرجلُ مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يَبيع دينَه بعَرَض من الدنيا ) )، فلتكن همتُنا في التحقق بالصلاح، الموجب لكريم الأرباح، وتحقق الفلاح.
معشر المسلمين:
وإذا كان عمل المرء هو رصيدَه وكسْبَه، وهو محفوظ عليه بكل حال، ومجزيٌّ به بين يدي ربِّه ذي العظمة والجلال، فلينظرِ العاقلُ لنفسه في كل يوم من يقظته إلى نومه، ويختَرْ من العمل أصلحَه وأطيبَه وأحسنه: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف: 46] .