فهرس الكتاب
ذلكم يا عباد الله؛ لأنه يجتمع للعبد فيهما أجر الإنفاق والتعب، وشرف الزمان والمكان، وهما من أسباب مضاعفة العمل والثواب ونعم المطلب، ناهيك بشرف العبادة وما يقارنها من صالح العمل الإحسان الذي تنال به الحسنى العظيمة الكريمة، وتعظيم الحرمات والشعائر القويمة الحكيمة، وإظهار عظمة الإسلام، واجتماع أهله عليه، وحسن تطبيقهم له، وكمال استقامتهم عليه، وكم في ذلكم من الإغاظة للفجار للمنافقين والكفار، وحسن الدعاية للعقلاء للانضمام في سلك المتقين الأخيار! فما أعظم النسك، وما أكرم الناسك، وما أجمل المقام في تلك المشاعر والتلبس بتلك المناسك! وما أحقر الشيطان في تلك الأيام، وما أغيظ أعداء الإسلام!
أيها المسلمون: لقد حج نبيكم صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة، وهي حجة الفريضة المنقولة بالنصوص المتواترة، والتي سميت حجة الوداع؛ لأنه صلى الله عليه وسلم ودع فيها الناس في هيئة متواضعة وعبودية لله تعالى كاملة، وبالغ صلى الله عليه وسلم في بيان المناسك وحرص صلوات الله وسلامه عليه على نصح الأمة، وهداية كل ناسك بأقواله وأفعاله وأحواله، وتوجيه الواقعين في شيء من المحظورات، وإجابته على أنواع السؤالات، وكان من شأنه صلى الله عليه وسلم أن خير الناس بين المناسك: التمتع، والقران والإفراد، الأول التمتع وهو: أن يلبي بعمرة في أشهر الحج، ثم يفرغ منها، ثم يلبي الحج بعدها، ويكمل نسكه في نفس رحلته، فيكون قد جاء بعبادتي العمرة ثم الحج؛ كل واحدة مستقلة ومنفصلة عن الأخرى، فجمعهما في أشهر الحج لكن فصل بينهما بالتمتع بالحل التام بين العمرة والحج.