وكم في الكتاب والسنَّة من آياتٍ صَرِيحة، وأحاديث صَحِيحة، اشتَملتْ على التَّنوِيه بشَرَفِ القلب الصالح، وأنَّ صلاحه أصلُ كلِّ عَمَلٍ صالح؛ ذلكم - يا عبادَ الله - لأنَّ القلب هو أشرَفُ ما في الإنسان، ومَحِلُّ العلم منه والعِرفان، فإذا صلَح قلبُ المرء استَنارَتْ بَصِيرته، وطابَتْ سَرِيرَتُه، وخلصت نيَّته، وعظُمت في الله معرفته، وامتَلأ من تَعظِيم الله وهيبَتِه، وخوفه ومحبَّتِه، ورجائه وخشيَتِه؛ ولهذا بُعِثتْ إليه الرُّسل من الرحمن، وخُوطِب بالقُرآن؛ لإخلاص التوحيد وتحقيق الإيمان، وكان أشرف العَطايا وأجلَّ المِنَح، والمبارك على الجسد إذا صلَح، وإنما الجوارح أتْباعٌ للقلب يستَخدِمها استِخدامَ الملوك للعَبِيد، فسُبحان مُقلِّب القلوب، ومُودِعها ما يَشاء من الأسرار والغُيوب، الذي يَحُول بين المرء وقَلبِه، ويعلَمُ ما ينطَوِي عليه من طاعته وأسباب حبِّه؛ ولذا كانت أكثر يمين النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( لا، ومُقلِّب القُلوب ) )، ومن مأثور دعائه: (( اللهم مُصرِّف القلوب، صَرِّفْ قلوبَنا على طاعتك ) )، وكان أكثر دُعائه: (( يا مُقلِّب القُلوب، ثبِّت قَلبِي على دِينِك ) ).
أيُّها المسلمون:
إنَّ القَلب الصالح هو الخاشع اللين الوَجِل عند ذِكر الله، الرحيم الرقيق لعباد الله، وهو الموعود بكلِّ خير من الله في دُنياه وأُخراه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال: 2 - 4] .