فإقامةُ الحدود والتعزيرات الشرعيَّة في الدنيا تطهيرٌ لأصحابها مِن أرجاس الذنوب، ونجاةٌ لهم من عذاب الآخِرة، ومَن قُصِّر في الحُكم عليه أو تنفيذه لَحِقَه مِن العقوبة في الآخرة بقَدْر ما نقص في الدنيا، ومَن لم يُطهَّر في هذه الدنيا مِن العصاة، طُهِّر بتشديد الموت عليه، وما يُصيبه مِن عذاب القبر وأهوالِ يوم القيامة.
فإذا أُقيمَتِ العقوباتُ الشرعية في الدنيا، رَفعَتِ العقوباتِ القدريَّةَ أو خفَّفتْها، ولا يَكاد الربُّ - سبحانه - يجمع على عبده بيْن العقوبتين إلا إذا لم يَفِ أحدهما برفْع موجب الذنب، ولم يكن فيه زوالُ دائه.
أمَّا إذا عُطِّلتِ الأحكام الشرعيَّة بسببِ تحكيم القوانين الوضعيَّة، أو هوى الراعي، أو احتيال آحادِ الرعيَّة، استحالتِ العقوبات على الذنوب إلى قدريَّة كونيَّة، وربَّما كانت أشدَّ منها، وربَّما كانت دونها، ولكن الأخطر أنَّ العقوبات الكونية القدرية تعمُّ الخاصَّة والعامَّة، فلقدْ أخبر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّ الناس إذا رأوا المنكر فلم يُغيِّروه يُوشِك أن يعمَّهم الله بعقابٍ منه، وقال تعالى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال: 25] .