الحمدُ لله وكفَى، وأسأل الله للجميعِ الهُدى والتُّقى، والعفاف والغِنَى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحْدَه لا شريكَ له، له الأسماء الحُسْنى، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، النبي المصطَفَى، والرسول المُجتَبَى، صلَّى الله عليه وعلى آلِه وأصحابه أئمَّة أُولي التُّقى، وسلَّم تسليمًا.
أما بعد:
فأيُّها الناس، اتَّقوا الله تعالى حقَّ التقوى، واحذروا أسبابَ سخط الجبار فإنَّ أجسامكم على النار لا تَقْوَى، واعلموا أنَّ لكلِّ ذنب عقوبةً قد تُصيب المذنب، لكن لغفلته وإعراضه لا يحسُّ بها، وقد تتأخَّر عنه فيظنُّ لجهله أنَّه قد أُعْفِي منها، وقد يصرِف الله العقوبةَ بسببٍ مِن الأسباب التي جعَلَها صوارفَ للعقوبات، كالتوبةِ مِن السيئات، أو خالص الدعوات، أو المصائب المكفِّرات، أو الحسنات الماحيات، أو عفو ربِّ الأرض والسموات، فإنْ لم يصرف الله عنه العقوبةَ، فإنَّه على خطَر منها، ولو في آخِرِ العمر، أو في القبْر، أو يوم الحشْر، وفي الحديث: (( إذا أراد الله بعبدِه الشرَّ، أمسكَ عنه العقوبةَ بذنبه حتى يوافِيَ به ) )، والله عليم حكيم.
أيها المسلمون:
وعقوبات السيِّئات والمعاصي نوعان: عقوبة شرعيَّة دِينيَّة كالحدود؛ كجَلْد الزاني غيرِ المحصَن، ورجْم المحصَن، وقطع يَدِ السارق، وعقوبات المفسدين في الأرْض، بالقتل أو الصَّلْب، أو قطْع الأيدي والأرْجُل مِن خلاف، أو النفي من الأرض، وكذلك حدُّ القصاص وسائرِ التعزيرات المقدَّرة شرعًا، أو إجماعًا، أو اجتهادًا، ومَن لم ينلْ جزاءه في هذه الدار شرعًا، طهَّره الله بما يُصيبه من مصائبَ في نفْسه وأهله وماله؛ قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في الحدود: (( فمَن أصاب شيئًا مِن ذلك فعُوقِب به في الدنيا، فهو كفَّارة له وطهور ) ).