إنَّ الدنيا قد ارتَحلَتْ مُدبِرة، والآخِرة قد ارتَحلَتْ مُقبِلة، ألاَ وإنَّكم اليوم في عملٍ ليس فيه حِساب، ويُوشِك أنْ تكونوا في يوم حسابٍ ليس فيه عمل، وإنَّ الله لَيُعطِي الدنيا مَن يحبُّ ومَن يُبغِض، وشر ما يخاف علينا منه اتِّباع الهوى، وطول الأمَل، فإيَّاكم وفُضول المطعَم؛ فإنَّه يسم القلوب بالقسوة، ويبطئ الجوارح عن الطاعَة، ويصمُّ الآذان عن سَماع الموعظة، ويُضعِف الانتِفاع بالتذكِرة، وإيَّاكم وفُضُول النَّظَر؛ فإنَّه يبذر الهوى، ويولد الغَفلة، وإيَّاكم واستِشعار الطَّمَع؛ فإنَّه يُشرِب القلوب شدَّة الحرص، ويُورِث حبَّ الدنيا، وهو مِفتاحٌ لكلِّ سيِّئة، وسببٌ لإِحباط كلِّ حسنة.
أيُّها الناس:
إنَّ في القنوع لسعة، وإنَّ في الاقتِصاد لبلغة، وإنَّ في الزُّهد لَراحة، وإنَّ لكلِّ عمر جَزاء، فشَمِّرُوا فإنَّ الأمر جدٌّ، وتأهَّبوا فإنَّ الرَّحِيل قربٌ، وتزوَّدوا فإنَّ السفر بعيد، وإنَّ خيرَ الزاد التقوى، وإنَّ وراءكم عقبة كؤودًا، لا يقطَعُها إلاَّ المخفُّون من تَبِعات الدنيا، المُدلِجون في مَطالِب الآخِرة.
أيُّها الناس:
إنَّ بين يدي الساعة أمورًا شِدادًا، وأهوالًا عِظامًا، وزَمانًا صعبًا، يَتَملَّك فيه الظَّلَمة، ويَتَصدَّر فيه الفسَقَة، فيُضطهَد الآمِرون بالمعروف، ويُضام الناهون عن المنكر، وربما لاحَتْ لكم فيما حولَكم شَواهِده، ونالَتْ منكم عَوائِده، فأعدُّوا لذلك الإيمان، وعضُّوا عليه بالنَّواجِذ، وعليكم بالفقه في الدِّين؛ فإنَّ الله يثبِّت به الإيمان، ويزيد به العمل الصالح، ويُضاعِف به الثواب، ويَصرِف أهلَه عن المنكر والفَحشاء، وينجي به من الفتن، ويصرف به المِحَن، والجؤوا إلى الله - تعالى - بالطاعة، وأكرِهُوا عليها النُّفوس، واصبِرُوا على الضرَّاء، واشكُروا على السرَّاء، تُفضُوا إلى النَّعيم المقيم.
أيُّها الناس: