وقد كتَب الله للمتقين النَّجاة من النار، وضمن لهم الجنَّة فنعم عُقبَى الدار {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 54 - 55] .
أيُّها المسلمون:
إنَّ الله - تعالى - جعَل الليالي والأيَّام مواقيت للأعمال، ومقادير للآجال، وهي تنقَضِي جميعًا، وتمضي سريعًا، والذي أوجَدَها وقدر ما فيها باقٍ لا يَزُول، ودائمٌ لا يَحُول، وأمَّا الخلق فمصيرُه في هذه الدار للذهاب، وكل ما على صعيد الأرض كائنٌ للتراب؛ {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن: 26 - 27] .
وها أنتم تودعون عامًا قد انقَضَى، وجزءًا من العمر قد مضَى، قد تولَّت لحظاته، وبقيت أرباحُه وتبعاتُه، فيا سعادة المتَّقِي يوم لِقاه، ويا خَسارة مَن شقي يومَ ينظر المرء ما قدَّمت يداه، ذهبت لذَّة المعصية وحَلاوتها، وبقيتْ تبعتها ومَرارَتُها، وذهَب نصب العِبادة، وبقي عند الله ثوابُها من الحسنى والزيادة.
عباد الله:
كل شهر يستهلُّه الإِنسان ويستَكمِله يُدنِيه من أجله، ويُقصِيه عن أمله، ويُبعِده عن ضيعته، ويُقرِّبه من آخِرته، وغدًا تُوفَّى النفوس ما عملت، ويحصد الزارعون ما زرعوا؛ {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7 - 8] .
{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 30] .
وما من ميت يموت إلا ندم، فإنْ كان محسنًا ندم ألاَّ يكون ازداد، وإنْ كان مُسِيئًا ندم ألاَّ يكون استعتب؛ أي: تاب وأصلح واعتذر.