فهرس الكتاب
فيا أيها الناس، أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى في كل أمر، في علانِيَتِه وسرِّه أبد الدهْر، وأَحسِنوا فإن الحسنة بعشْر، وتُضاعَف إلى سبعمائة، وإلى أكثر من ذلك، وتَعظُم مع الإخلاص والذِّكْر، وإن السيئة بمثلها أو تُغفَر، ومَن أحسن بعد الإساءة مُحيتْ عنه السيئة وكُتب له الأجر، فلا يَهلك على الله إلا هالكٌ غَبي، ولا يَدخل النار إلا شَقي.
عباد الله، لقد أفلح مَن أخلص قلبه للإيمان، فجعل الله قلبه سليمًا، ولسانه صادِقًا، ونفسه مُطمئنَّة، وخليقته مُستقيمة، وجعل أذنَه مُستمِعة، وعينَه ناظِرة، فأما الأذن فقِمَع - أي مسلك للخير - للقلب، والعَين مُقرَّة بما يوعي القلب، وقد أفلح مَن جعل قلبَه واعيًا.
أيها الناس:
إياكم أن تَستهينوا بمحقرات الذنوب؛ فقد رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( يَا عَائِشَةُ، إِيَّاكِ ومحقَّراتِ الذنوب؛ فإن لها مِن الله طالبًا ) )، وفي رواية: (( فإنهن يجتمعن على المرء فيُهلكنه ) )، وفي أخرى: (( وإن محقَّرات الذنوب متى يَأخذ بها صاحِبها تُهلكه ) )، وفي ثالثة: (( إن الشيطان رَضِي بما تحقرون من ذنوبكم ) )والمراد بمحقَّرات الذنوب: ما يُستصغَر مِن المعاصي ويُستهان به؛ قال سهل بن عبدالله التُّسْتريُّ - رحمه الله:"من استهان بأدب مِن آداب الشريعة، عوقب بحرمان السنَّة، ومَن تهاون بترك السنَّة، عوقب بترك الفرائض، ثم يُقيَّض له مُبتدِع يَذكُر عنده باطلًا فيُوقِع في قلبه شبهةً - يعني أو شهوة - فيقع في أمر يبغضه الله، ويعاقب عليه وهو يحسب أنه في سَعة، ثم لا يتوب ولا يرجع إلى الحق".
أيها الناس: