فهرس الكتاب
فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى وارْجوه واذكروه، واشكروا له واعبدوه، واعلموا أن الله تعالى جعل الليل والنهار خِلفة لمن أراد أن يذكَّر أو أراد شكورًا، فهما خزائن للأعمال، ومراحل تُقطَع لبلوغ الآجال، يبليان كل جديد، ويُقربان كل بعيد، فبالأمس دخل شهر الصيام، واليوم لم يَبق منه إلا اليسير من الليالي والأيام، فاغتنموا ما بَقِي منه في الاجتهاد بطاعة المولى العظيم، وانتظروا منه على إحسان العمل جزيل التكريم، أحسِنوا فيما بقِي من الصيام، وأحْيُوا لياليه بالقيام، واختموه بالتوبة والاستغفار، وسؤال الله العتقَ من النار.
أيها المسلمون، كان نبيكم صلى الله عليه وسلم يخص هذه العشر المباركة بمزيد من الاجتهاد في طاعة ربه، يلتمس مغفرة ذنبه ورضا به، فكان صلى الله عليه وسلم إذا دخلت هذه العشر، جد في العبادة، واعتزل نساءه؛ معتكفًا في المسجد، متفرغًا لما يُقربه إلى الله - من صلاة وصدقة وقرآن، وذكر ودعاء وثناء - فكان يُحيي ليله، ويُوقِظ لذلك أهله، لأجل أن يتقربوا إلى الله فيها بالصالحات، ويشهدوا ما أودعها الله من الخيرات، ويفوزوا بما فيها من بركات، وقد قال ربكم سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] .