فهرس الكتاب
وَلَكِنَّ حِكمَةَ الخَالِقِ - سُبحَانَهُ - اقتَضَت أَنْ لَيسَ الذَّكَرُ كَالأُنثى في الخِلقَةِ وَالهَيئَةِ وَالتَّكوِينِ، وَكَانَ مِن آثَارِ هَذَا الاختِلافِ في الخِلقَةِ، الاختِلافُ في القُوَى وَالقُدُرَاتِ الجَسَدِيَّةِ وَالعَاطِفَيَّةِ وَالإِرَادِيَّةِ، قَالَ - سُبحَانَهُ: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} [آل عمران: 36] وَقَالَ عَنِ الأُنثى: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف: 18] وَقَد أُنِيطَ بِهَذَا الاختِلافِ في الخَلقِ جُملَةٌ مِنَ الحِكَمِ وَالأَحكَامِ، وَحُدِّدَ مَجَالُ عَمَلِ الرَّجُلِ في هَذِهِ الحَيَاةَ وَنَوعُهُ، كَمَا حُدِّدَ مَجَالُ عَمَلِ المَرأَةِ وَنَوعُهُ، وَجَاءَ عَمَلُ كُلٍّ مِنهُمَا مُلائِمًا لما تَقتَضِيهِ خِلقَتُهُ وَفِطرَتُهُ , مُحَقِّقًا لِلتَّكَامُلِ وَالاتِّزَانِ وَالأَمنِ الاجتِمَاعِيِّ، دُونَ أَن يَتَحَمَّلَ أَحَدُّهُمَا أَكبَرَ مِمَّا يَحتَمِلُ طَبعًا وَعُرفًا، فَحُمِّلَ الرَّجُلُ أَعبَاءَ القِيَامِ عَلَى المَرأَةِ وَالنَّفَقَةِ عَلَيهَا مَعَ القُدرَةِ، وَرِعَايَةَ مَصَالِحِهَا وَحِفظَهَا وَسَترَهَا، وَكُلِّفَت هِيَ بِالبَيتِ وَرِعَايَةِ شُؤُونِ الأُسرَةِ الدَّاخِلِيَّةِ، وَطَاعَةِ زَوجِهَا بِالمَعرُوفِ، فَالتَقَت إِرَادَةُ اللهِ الكَونِيَّةُ القَدَرِيَّةُ في الخَلقِ وَالتَّكوِينِ، بِإِرَادَتِهِ الدِّينِيَّةِ الشَّرعِيَّةِ في الأَمرِ وَالحُكمِ وَالتَّشرِيعِ، لِتَقُومَ بِذَلِكَ مَصَالِحُ الخَلقِ وَيُعمَرَ الكَونُ، وَلِتَنتَظِمَ حَيَاةُ الأَفرَادِ وَالمُجتَمَعَاتِ، قَالَ - عَزَّ وَجَلَّ: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34] وَقَالَ - تَعَالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ