وأمَّا ثاني تلك الأصول التي نصَّ عليها الرسول، فهي السُّنة الغَرَّاء المُبَيِّنة للهُدى، فإنها تفسِّر القرآن وتُبيِّنه أبلغ البيان؛ تفسِّر مجْمَله، وتوضِّح مشْكِلَه، وتفتح مُغْلَقه، وتقيِّد مطْلَقه، وتخصِّص منه العامَّ، وتستقلُّ عنه ببعض الأحكام، فقد وكل الله إلى نبيِّه تبْيين ما نزلَ إليه، كما جاء في القرآن النصُّ عليه: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] ، فالرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - هو الدَّاعي إلى الله، والمُبيِّن لدينه وهُداه، والدالُّ لجميع الناس على كلِّ ما يحبُّه ويرضاه، والمنذِر للعُصاة من هوْل يومِ لِقَاه، فأسلَم الناس من الفِتَن مَن تمسَّك بمأثور السُّنن، وأسعدُ الناس بشفاعتِه مَن أخلص لله في عبادته، وتمسَّك في سائر أحواله بهَدْيه وسُنَّته، وأولياء الله حقًّا هم السَّائرون على منهاجه صِدْقًا؛ فإنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - أُسْوة المؤمنين، قال - تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] .
فمن كان يرجو الله واليوم الآخِرَ فلْيَتأسَّ بنبيِّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الباطن والظاهر، ومن ادَّعى محبَّة الله فلْيأتِ ببيِّنة على ما ادَّعاه، باتِّباع حبيبه محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - ومصطفاه، ومَن تولَّى عن دينه وهداه، ولاَّه الله ما تولاَّه، وما ظَلَمه: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 31 - 32] .