فهرس الكتاب
لقد امتاز الصحابة رضوان الله عليهم عن سائر الناس بأنهم أول من خاطبهم الرسول نزل إليهم القرآن، فأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم بلسانهم، ونزل القرآن بلغتهم، فحضروا التنزيل وشاهدوا الرسول، وسمعوا الخطاب وفهموا المراد، وما أشكل عليهم فهمه استوضحوا من النبي صلى الله عليه وسلم بشأنه، فعلموا الهدى، وكيفية الأداء، ورأوا النبي صلى الله عليه وسلم يعمل بما أنزل إليه من ربه، وبادروا إلى التأسي به، فعملوا لله تعالى بما أنزل إليهم، ونبيه صلى الله عليه وسلم حي بين ظهرانيهم، فما أصابوا فيه أقروا عليه وأثنى عليهم به، وما أخطأوا فيه نبهوا عليه، وبين لهم وجه الصواب فيه، فجمع الله تبارك وتعالى لهم بين العلم النافع المحقق، والعمل الصالح الموفق، فعلموا بمجموعهم دين الله كله، وعملوا به لله فقبل الله منهم، وتاب عليهم، وزكاهم وأثنى عليهم، وأخبر برضاه عنهم، ورضاهم عنه، ووعدهم الجنة وهم أحياء يمشون على الأرض، وعد الله لا يخلف الله وعده، مما يدل على ثباتهم على دينهم حتى يلقوا ربهم، وعدالتهم في عملهم ونقلهم، وأنهم بحق قد ورثوا الفقه والإمامة في الدين، بعد نبيهم خاتم الأنبياء والمرسلين، فما علموه وعملوا به وبلغوه فهو من دين الله، وما لم يتكلموا به ولم يعملوه ولم يبلغوه فليس من عند الله، فهديهم رضي الله عنهم مع الكتاب والسنة، براهين الحق وقواصم والعواصم من البدعة، فنعم سند الشريعة هم، ونعم الحجة الدامغة للأهواء والبدعة هم، ولذلكم أثنى الله تبارك وتعالى على متبعيهم بإحسان، فقال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} [التوبة:100] ، وجعلهم شركاء للصحابة فيما وعدهم من الرضوان وأعلى الجنان، وحذر سبحانه من إتباع غير سبيلهم تحذيرًا خطيرًا بقوله: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ