أقْبِلوا على ما كُلِّفتموه مِن إصلاح آخرتكم، وأعرِضوا عمَّا ضُمِن لكم من أمرِ دنياكم، ولا تستعملوا جوارحَ غُذِيت بنِعم ربِّكم في التعرُّض لسخطه وعقوبته بسببِ معصيتكم، بل اجعلوا شُغلَكم بالتماسِ مغفرته، واصْرِفوا هممَكم إلى التقرُّب إليه بطاعته، واعتنوا بنصيبِكم مِن الآخرة، تُدركوا الدنيا والآخِرة، فإنَّه مَن بدأ بنصيبه مِن الدنيا، فاتَه نصيبُه مِن الآخرة، ولم يُدركْ مِن الدنيا ما يُريد، ومَن بدأ بنصيبه من الآخرة وصَل إليه نصيبُه من الدنيا، وأدْرَك من الآخرة ما يريد، فاتَّقوا الله، {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُون} [البقرة: 281] .
بارَك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعَنا جميعًا بما فيه مِن الآيات والذِّكْر الحكيم.
أقول قولي هذا، وأستغفِر الله العظيم الجليل لي ولكم مِن كل ذنب، فاستغفروه يغفرْ لكم، إنَّه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمدُ لله الذي نزَّل الكتاب وهو يتولَّى الصالحين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحْدَه لا شريكَ له فهو إلهُ الأوَّلين والآخِرين، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بشيرًا للمؤمنين، ونذيرًا للكافرين، وحُجَّة على الخَلْق أجمعين، صلَّى الله وسلَّم عليه، وعلى آله وأصحابه، ومَن اقْتَفى أثرَه، ونهَج سبيله بإحسان إلى يوم الدِّين.
أما بعدُ: فيا أيُّها الناس:
اتَّقوا الله، وتوسَّلوا بالإيمان به؛ فإنَّه نعمَ الوسيلة، وإقامِ الصلاة؛ فإنَّها عمودُ المِلَّة، وإيتاءِ الزَّكاة؛ فإنَّها بعد الصلاة أعظمُ فريضة، وصومِ رمضان؛ فإنَّه مِن العذاب جُنَّة، وحجِّ بيت الله الحرام؛ فإنَّه منفاةٌ للفقر، ومَكْفَرةٌ للآثام.