فهرس الكتاب

الصفحة 1560 من 1601

ألا وإنَّ الدنيا سريعةُ الذَّهاب، وشيكةُ الانقلاب، فاحذروا حلاوةَ رَضاعها لمرارة فِطامِها، واهجُروا لذيذَ عاجلها لكريه آجلِها، وتفرَّغوا مِن هموم الدنيا ما استطعتُم؛ فإنَّه مَن كانت الدنيا همهَّ قضى الله عليه ضيعتَه، وجعَل فقْرَه بيْن عينيه، ولم يأتِه منها إلا ما كُتِب له، ومَن كانتِ الآخرة همَّه جمَع الله عليه شَملَه، وجعَل غِناه في قلْبه، وأتتْه الدنيا وهي راغمة، وإنَّ لكلِّ امرئ رِزقًا هو آتيه لا محالة، فمَن رضِي به بُورِك له فيه فَوسِعه، ومَن لم يرضَ به لم يُبارَكْ له فيه ولم يسعْه، وإنَّ الرزق ليَطلب العبدَ كما يطلبُه أجَلُه، ولن تموتَ نفس حتى تستكملَ رزقَها وأجلَها، فلا يحملنَّكم استبطاءُ الرِّزق على أن تطلبوه بمعصية الله؛ فإنَّ ما عند الله لا يُنال إلا بطاعتِه، ومَن أخَذ مِن الدنيا فوق ما يَكفيه أَخذ حتْفَه وهو لا يشعر، وما سكَن حبُّ الدنيا قلبَ عبْد إلا التاط منها بثلاثِ خصال: شُغل لا ينفكُّ عَناه، وفَقْر لا يُدرَك غِناه، وأمل لا يُدرَك منتهاه، فكونوا مِن أبناء الآخِرة ولا تكونوا مِن أبناء الدنيا؛ فإنَّ الله تعالى يُعطي الدنيا مَن يُحبُّ ومَن لا يحب، ولا يُعطي الآخرةَ إلا مَن يحب، ولن تزول قدمَا عبدٍ يوم القيامة حتى يسألَه الله - عزَّ وجلَّ - عن ماله: مِن أين جمَعَه؟ وفيمَ أنفقه؟ وعن عُمُره: فيمَ أفناه؟ وعن شبابه: فيمَ أبلاه؟ وعن أمانته: كيف أدَّاها؟

عباد الله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت