عباد الله، إن في الجنة غرفًا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، أعدَّها الله تبارك وتعالى لمن أفشى السلام، وأطاب الكلام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام، ومصداق ذلك من التنزيل الحكيم قول الحق جل وعلا: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 112] ، وقال سبحانه: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] .
أيها المسلمون:
كم تضمنت نصوص فضائل الصيام من بشريات للصوام! فالصائم يضاعف له أجره بغير حساب، والصوم يشفع لصاحبه يوم القيامة حتى يشفِّعه الله تعالى فيه، وللصائم دعوة لا تُردُّ، وتستغفر له الملائكة حتى يفطر، وله فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه.
وإن في الجنة بابًا يقال له: الريان، لا يدخل منه إلا الصائمون، فاستبقوا إليه واحذروا ما يصدُّكم عنه، فما أقصر الحياة! وما أقرب الممات! وكل ما هو آتٍ آت، وإنما البعيد ما ليس بآتٍ، والشقي مَن حُرِم جنة عرضها الأرض والسموات، وتردَّى في سحيق الدركات، فتفكروا وشمروا واحذروا واتجروا مع ربكم الكريم في شهر الصوم العظيم.
معشر المسلمين، تذكروا أن صوم شهر رمضان أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، وأن شهر رمضان شهر القرآن والغفران، واستباق الخيرات والسبق إلى أعالي الجنات، والتقرب إلى الله تعالى بأنواع البر والإحسان، وأنه يكثر فيه العتق من النيران، فابتغوا كريم الثواب، وتصدَّقوا لهول يوم الحساب وفك الرقاب، وخذوا إلى رضوان الله تعالى بأوثق الأسباب، قبل غلق الباب وطيِّ الكتاب، فإن الفرص لا تدوم، وإن البقاء الأبدي للحي القيوم، وتذكروا أن العمل لكل قرين محتوم.