كثيرًا ما يَرِدُ في الكتاب والسنَّة الجمعُ بين تقوى الله وحسْن الخلق، وذلك - والله اعلم - للتنبيه على أنهما متلازمان لا ينفكُّ أحدُهما عن الآخَر، فتقوى الله شجرةٌ وحسن الخلق ثمرةٌ، وهي أساس وهو بناء، وهي سرٌّ وهو علانية، وحيث انتَفَى حسن الخلق انتَفَت التقوى، وضعفُه دليلٌ على ضعفِها؛ فهو برهانها والدليل عليها، والشاهد الصادق لها، يذكر الله -تعالى- المتقين في مواضع من كتابه فيصفهم بأحسن الأخلاق، ويُبَرِّئ ساحتهم من النِّفاق وسيِّئ الأخلاق، ويذكر - سبحانه - أهلَ البر والإحسان، فيصفهم بالتقوى وعظيم الخشية من الملك الأعلى، ويبيِّن ما لهم عندَه من الخير في الآخرة والأولى.
وكان - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا ما يجمع بينهما في وَصاياه، وذلك من سنَّته الثابتة وهُداه، أوصى - صلى الله عليه وسلم - معاذًا - رضي الله عنه - فقال: (( اعبد اللهَ ولا تُشرِك به شيئًا ) )، قال: يا رسول الله، زدني، قال: (( استَقِم، ولتحسن خلقك ) ).
وقال - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر: (( أوصيك بتَقوَى الله في سرِّك وعلانيتك، وإذا أسَأتَ فأَحسِن ... ) )، الحديث.
وسُئِل - صلى الله عليه وسلم: ما أكثر ما يُدخِل الناسَ الجنَّة؟ قال: (( تقوى الله وحسن الخلق ) ).
وقال - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذرٍّ - رضِي الله عنه: (( اتَّقِ الله حيثما كنت، وأَتْبِع السيِّئة الحسنة تَمحُها، وخالِقِ الناسَ بخلقٍ حسن ) ).
ذلكم يا عباد الله لأنَّ الخلق الحسن من خِصال التقوى، ولا تتمُّ إلا به، فإذا رزَقَ اللهُ العبدَ التقوى وحسن الخلق فقد منَحَه القِيام بحقوقه وحقوق عِبادِه، وبذلك يَفُوز العبد بمحبَّته ومعيَّته ونصره، والأمن من عذابه، والفَلاح برِضاه وكريم ثوابه؛ فإنَّه سبحانه يحب المحسنين: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128] .