فاتقوا الله - عباد الله - فإنكم عما قليلٍ إلى ربِّكم منقلبون، وبين يديه مَوقفون، وبأعمالكم مَجزيون، وعلى تفريطكم نادمون، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون.
عباد الله:
إن من أعظم خِصال التقوى، وموجبات الكرامة والعزة في الدنيا والأخرى - أن يتعاطى المرء سببًا من أسباب المعيشة؛ من صَنعة أو حِرفة يُتقنها، أو تجارة يُحسنها، أو فكرة ومُخترَع يَنفع بها مجتمعَه، ويَنتفع من ورائها، فتكون له وظيفة يُعِفُّ بها نفسه، ويَعول بها ذَوِيه، ويُفيد بها غيره ويُحسن بها إلى مَن يَليه، ويكون بها حرًّا غير مستعبد إلا لله وحْده خالقِه وباريه؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة: 267] ، وقال تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105] ، وقال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198] ، وقال - سبحانه: {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: 32] ، وقال - سبحانه: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10] ، ولقد قرَن - سبحانه وتعالى - الذين يَضربون في الأرض يبتغون من فضْل الله بالمرضى أو المجاهدين في سبيل الله في العذر والفضل والأجر؛ قال - سبحانه: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي