تذكَّروا قولَ نبيِّكم -صلى الله عليه وسلم-: (( مَن قام ليلةَ القدر إيمانًا واحتِسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه ) )، وأنَّ ليلة القدر هذه قد أخفاها الله -تعالى- فلم يُعيِّنها لنا أي ليلة من تلك العشر، وربما كانت آخِر ليلة من الشَّهر، وإنما أخفاها - سبحانه - ليتبيَّن الراغب فيها المحتسب في طلبها من العباد، ولتكثر أعمالهم الصالحة فيجدوا ما يسرُّهم يوم المعاد، فلن يَظفَر العبد بليلة القدر إلاَّ إذا طلَبَها في جميع ليالي العشر، فأرُوا الله من أنفُسِكم خيرًا، وادَّخِروا صالح الأعمال عنده ذُخرًا.
أيُّها المسلمون:
ولقد كان من هدي نبيِّكم -صلى الله عليه وسلم- الاجتهادُ في تلك العشر ما لا يجتَهِد في غيرها من الشهر، فخُذُوا بسنَّته، تفوزوا برفقته؛ {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} [النساء: 69 - 70] .
عباد الله:
الاعتِكافُ - في هذه العشر أو بعضها - سُنَّة مأثورةٌ، وقُربة مَبرورة، فينبَغِي لِمَن يسَّرَها الله له فمكَّنَه منها - دون تفريطٍ في ضيعةٍ، أو تقصيرٍ في فريضة - أنْ يُحيِيها ليكون ممَّن سَنَّ في الإسلام سنَّة حسنة، فله أجرُها وأجرُ مَن عمل بها من بعده، وليَفُوز بالأجر العظيم في هذا الموسم الكريم، فإنَّ إحياء تِلكُم السنَّة أَوْلَى من العمرة - وفي كلٍّ خير - فإنَّ نبيَّكم -صلى الله عليه وسلم- لم يعتَمِر في رمضان - وإنْ كان قد رغَّب في العمرة - وقد اعتَكَف هذه العشر حتى لقي ربَّه، واعتَكَف أزواجُه وأصحابُه معه وبعدَه.