لقد أصبحنا - ولا حول ولا قوة إلا بالله - في فتنٍ في الدين عظيمة، ومصائب متتابعة أليمة، فإنَّ الفتن قد أطلَّت برؤوسها هذا الزمان، واشرأبَّت أعناقُ أهلها - قصَمَها الله - هذا الأَوَان، فقد ظهَرَتْ بعضُ وجوههم المكفهرَّة الكالحة المعبِّرة عمَّا في قلوبهم من النِّفاق والبُغض لأهل الإِيمان، وهم من بني جلدتنا ويتكلَّمون بألسنتنا، ألسنتهم أحلى من العسل، ويقولون نفاقًا من خير القول، ويُخالِفون أهلَ الإسلام في الفعل والحال، ويُجادِلون بالباطل ليُدحِضوا به الحق شأن أهل الضلال، يَلبَسون للناس مُسُوح الضَّأن من اللين، وقلوبهم قلوب الذئاب والشياطين، وغايَتُهم كما جاء في الآثار: (( دُعاةٌ على أبواب جهنَّم، مَن أطاعَهُم قذَفُوه في النار ) ).
يَخدَعون النساء والسُّفَهاء، ويُضلِّلون الطغام ومَن في حكمهم من غفلة العَوَام، بما يُثِيرونه من الدِّعايات المزخرَفَة والأفكار المضلِّلة، وأنواع الشبهات، وسيِّئ المعتقدات، يستَهزِئون بالقرآن، ويسخَرُون من سنَّة محمد - صلَّى الله عليْه وسلَّم - إمام أهل الإيمان، قد تشبَّعوا بمسالك الكفَّار، وحذَوْا حذْو ضُلاَّل أهل الكتاب، فلم يخطِئُوا الآثار؛ يُسفِّهون مَسلَك المتديِّنين، ويَسخَرون من عباد الرحمن المهتَدِين، يَطعُنون فيهم وينفرون منهم وممَّا هم عليه من الاستِقامة، ويُبالِغون في الوَقِيعة بأهل العلم بالذم والملامة، بألفاظٍ بذيئة، وعِبارات مستَهجَنة جريئة؛ رغبةً في التحلُّل من الدين، والتحرُّر من أحكامه التي تُصلِح شؤون العالمين، بدعوى أنَّه وضْعٌ قديم لا يتَّفق مع التطوُّر والتجديد؛ {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [الكهف: 5] .