معشر المسلمين:
ولقد أوضح الله -جل وعلا- بجلاء الحِكمة من هذه الابتلاءات في الدنيا بالمسرَّات والمضرَّات، والشبهات والشهوات، وما تهواه النفوس وما تكرهه، وهي أن يفترق الناس إلى فريقَين: أهل طغيان وشرٍّ وشَقاء، وهم أهل النار، وأهل إيمان وخوف من الديَّان، وصبر على المكاره ابتغاء وجه الرحمن، وهم أهل الجنة، قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 37 - 41] .
أيها المؤمنون:
وإذا كانت الحياة الدنيا هي دار البلاء، وإن كل ما يَعرِض للإنسان فيها في مختلف الأحوال والأوقات والأماكن كله من قبيل الابتلاء؛ ليتمحَّص الإيمان ويَظهر المكنون، ويتحقَّق العمل الذي هو الكسب الذي به يتميَّز الأشقياء من السعداء، وأهل النار من أهل الجنة، فإنَّ العاقل الفَطِن الموفَّق هو الذي يتفكَّر في حق الله تعالى عليه في كل مقام وحال، فيبادر إليه ويحقِّقه على الوجه الذي يُرضيه ثم يدوم عليه، كما قال تعالى: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 61] ، وقال سبحانه: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا} [الإنسان: 8، 9] .
وإن كان ما عرض له مما يُغضب الله ويُوجِب عقوبته ومقْتَه، أعرَض عنه ولو هَوِيَتْه نفسُه وقَدر عليه؛ خوفًا من الله - جلَّ وعلا - كما قال سبحانه عن خير ابنَي آدم أنه قال لخصمه: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 28] .
معشر المؤمنين: