فهرس الكتاب

الصفحة 541 من 1601

إنَّنا اليوم في معترك فتنٍ عظيمة، كقِطَع الليل المظلم، يُرَقِّق بعضُها بعضًا، ويُنسِي بعضُها بعضًا، فالمال فتنةٌ هلك به كثيرٌ من الناس في هذه العصور، والأولاد فتنةٌ، وكم استعصى أمرهم على معظم أولياء الأمور! ومخالطة الأشرار من المنافقين والكفار فتنة، وكم امتلأت منهم الديار وعظمت بسببهم الأخطار! والنساء فتنة، وكم جلبنَ من المصائب على العالمين! وكم يكيد بهنَّ الأعداء لإفساد مجتمع المسلمين! نعوذ بالله من الفِتَن ما ظهَر منها وما بطَن، ونسأَلُه الهدى والسداد والصلاح في الحال والمآل.

أيها المسلمون:

فأمَّا المال فإنَّه فتنةٌ لهذه الأمَّة، وكم هلكت به قبلَها من أمَّة؛ يقول - صلَّى الله عليْه وسلَّم: (( لكلِّ أمَّةٍ فتنةٌ وفتنة أمَّتي المال ) )، وقال - صلَّى الله عليْه وسلَّم: (( أخشى أنْ تُبسَطَ عليكم الدنيا كما بُسِطَتْ على مَن قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتُهلِكَكم كما أهلكتهم ) ).

فالمال فتنةٌ من جهة جلبه وتنميته، وفتنةٌ في المكاثرة فيه والمباهاة به، وفتنةٌ من جهة إنفاقه وأداء الحقوق الواجبة منه، فقد قَلَّ من الناس الحذر من أسباب كسبه المحرَّمة، والمتورِّع عن صور جلبه المشتبهة، بل أكثر الناس أصبَحَ المال أكبرَ همِّه، وملء قلبه، وشغل فكره، وسمع أذنه، وبصر عينه، يُخاطِر في تحصيله أيَّما مخاطرة، ويَسعَى في تنميته مكاثرةً ومفاخرةً، ولا يُبالِي بعَواقِب ذلك في الدنيا والآخِرة، يكسبه من وجوه محرَّمة، وحيل ملتوية آثمة، وطرائق خبيثة باطلة، فهو النَّهِم الذي لا يَشبَع، والمفتون الذي لا يقلع، وصدَق النبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - إذ يقول: (( ليأتينَّ على الناس زمانٌ لا يُبالِي المرءُ بما اكتسب المال؛ من حرام أم من حلال ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت