عباد الله، اشكروا الله تبارك وتعالى على أن فسح لكم في الآجال، ومدَّ في الأعمار فأمهلكم؛ لتستزيدوا من صالح الأعمال، وتتوبوا وتستغفروا من التقصير والزلل، وتستزيدوا من التجارة معه عز وجل، فاغتنموا المهلة في العمل الصالح والمتجر الرابح قبل النقلة، ولا تغفلوا فتقسوا قلوبكم، فإن الله تبارك وتعالى قد قال: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 16] .
وقال تعالى: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الزمر: 22] .
أيها المسلمون:
لئن انقضى رمضان، فإن ما يتعبَّدُ لله تعالى فيه باقٍ ومشروع في كل آنٍ، وللتعبد له به سبحانه عنده أعظم شأن، وإنه ليس لعمل المؤمن انقطاع دون الموت، قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99] ؛ يعني: الموت.
وبئس العبدُ عبدًا لا يعرف الله إلا في رمضان! ألا وإن الله تعالى لا يسأل العباد إلا عما افترض عليهم، ولكن الله تعالى قد وعد المؤمنين العاملين للصالحات جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا؛ لاستدامتهم على الإيمان والعمل الصالح، ومجانبة ارتكاب الذنوب والإصرار على القبائح، مهما امتدت بهم الأعمار وتعاقب عليهم الليل والنهار، ثم إن العمل مهما كمل فإنه محلٌّ للنقص والخلل، وقد شرع الله تبارك وتعالى النوافل مكملة للفرائض ومزيدًا للعاملين قبل العوارض، وكفارات للخطايا وموجبات للرضوان، وسُلَّمًا يصعد به العبد في درجات الجنان، ويستزيد به من أنواع الفضل والإحسان.