أقبِلُوا على ما كُلِّفتموه من إصلاح آخِرتكم، ولا يشغَلنَّكم عنه ما ضمن لكم من أمر دُنيَاكم، ولا تستَعمِلوا جَوارِح غذيَتْ بنِعَم الله في التعرُّض لسخطه بمعصيته، واصرِفُوا هِمَمكم في التقرُّب إليه بطاعته والتِماس مغفرته؛ فإنَّ أولياءَ الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزَنُون هم أقوامٌ تميَّزوا عن سائر الأنام ببُعدِ النظر، والاهتِمام بإصلاح دار المستقر؛ نظَروا إلى باطِن الدنيا حين نظَر الناس إلى ظاهرها، واهتَمُّوا بآجِلها حين اهتمَّ غيرُهم بعاجِلها، فأماتوا منها ما خشوا أنْ يُمِيتهم، وترَكُوا منها ما علموا أنَّه سيترُكهم؛ فما اعتَرَض لهم من نائلها عارض إلاَّ رفَضُوه، ولا خدعَهُم من رفعتها خادِعٌ إلاَّ وضَعُوه، قد اخلَوْلقَتْ الدنيا عندهم فما يجدونها، وخربت بينهم فما يعمرونها، وماتَتْ في صدورهم فما يحيُونها، بل يَهدِمون دنياهم فيبنون بها آخِرتهم، ويَبِيعون ما يفنى فيشترون به ما يبقى لهم، نظَرُوا إلى أهلها المفتونين بها، فإذا هم صَرعَى من أجلها، قد حلَّت بهم المَثُلات، فأصبَحوا لغيرهم من جملة العِبَر والعِظات؛ فأقبَلُوا على الله مُخلِصين له على طريق هُداه، واستَعانوا به على بُلُوغ المقصود وحُصول المأمول لعِلمِهم أنَّه لا حولَ ولا قوَّة إلاَّ بالله؛ ولذلك فازُوا بالسَّبق للخَيْرات، والثَّناء عليهم في القرآن بجميل الصِّفات.
أيُّها المسلمون: