فيا أيها الناس، اتقوا الله واشكروه على أن هداكم لما بعث به نبيه ورسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - من دينه وهداه، فإن لله المنة العظمى أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين، وإن الله تعالى قد أتاكم به من الخير في العاجلة والآجلة، ما لم يؤته أمة من العالمين غير المسلمين، فيه كنتم خير أمة للناس، وكنتم الشهداء على الناس، وبه كنتم السابقين يوم القيامة المقضي بينهم قبل الخلائق، وكنتم خير وأكرم على الله من سبعين أمة توفونها يوم القيامة، وبه كنتم أول من يجوز الصراط، وأول من يدخل الجنة، وأكثر أهل الجنة، وبه منالون عظيم الأجور، ورفيع الدرجات، وكم لكم فيه من الخير الكثير، والأجر الكبير، والعفو عن الوِزْر الخطير، وكم لكم به عند الله تعالى من كرامة وذُخر وعقبى يوم القيامة.
أيها الناس، اعلموا أن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، وإن الله تعالى يعطي الدنيا من يحب، ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب، فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه، فاحمدوا الله على ما هداكم واشكروه على كريم وعظيم ما أعطاكم وأولاكم، ولا تستقلوا وتستهينوا بنعم الله عليكم، فتُسلب منكم، وتعطى سواكم؛ فإن الله تعالى قد قال: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} ، وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَت اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ} [إبراهيم:28 - 29] ، فما أبلغ الموعظة! وما أخطر العقوبة على جحود النعمة، فإنها كلما عظُمت النعمة، عظمت العقوبة على الكفر والجحود، فاشكروا الله على ما خصَّكم، وأطيعوه فيما أمركم، واحْذروا ما حذَّركم وزجركم، تحفظوا نعمكم، وتزدادوا فضلًا فيما أمركم، وأمَنَةً من عقوبة تفاجئكم.