فهرس الكتاب
وأمَّا قوله - صلى الله عليه وسلم: (( والصَّدَقة برهان ) )، فمعنى ذلك ظاهر؛ فإنَّ البرهان هو الضياء الشارِق، سُمِّيت به الصَّدقة؛ لأنَّها برهان على إيمان مُخرِجها عن طيب نفس؛ فإنَّه آثَر طاعةَ ربه على محبِّة ماله؛ {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] ، فهي تُصدِّق إيمانَ صاحبها وتحققه؛ ولهذا سُمِّيت صدقة، وتُسمَّى زكاةً لِمَا فيها مِن تزكية المتصدق بتطهيره من العيوب والذنوب، وتزكِّي المال بإذهاب أسبابِ نقْصه وتَلَفِه، وإحلال البركة فيه، وتزكِّي الآخذ بإعفافه وإغنائه عن الحاجة والسؤال؛ وفي الصحيحِ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( ما نَقصتْ صَدقةٌ من مال ) )، وقد أقرَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فقراءَ المهاجرين على قولهم في حقِّ إخوانهم الأغنياء الذين يتصدَّقون بفضول أموالهم: (( ذهَبَ أهلُ الدُّثور بالأجور والدرجات العُلاَ والنعيم المقيم ) ).
فلو لم يوجدْ نصٌّ في فضْل الصدقة إلاَّ هذا، لكَفَى.
ويدخُل في الصدقة فريضةُ الزكاة، وواجبُ النفقات، وأنواع التبرُّعات والمواساة، مع النيَّة الصالحة، وموافقة الشَّرْع، فكلُّ ذلك من أسباب نماءِ المال، ومحبَّة الناس، وصرْف البلايا، وتكفير الخطايا، وجزيل العطايا، وتأجيل المنايا، ورِفْعة الدَّرجات، والفوز بأعالي الجنَّات، ورضوان ربِّ الأرض والسموات، فهنيئًا للمتصدِّقين.