إن من خصال التقوى، وسجايا أولي الألباب والنهى، المسعدة لأهلها في الدنيا والأخرى، خليقة العفة عن ورع وحسبة، يجاهد المرء نفسه عليها، ويدعو ربه جل وعلا أن يهبها له، حتى تصبح من كريم سجاياه، ويستقيم عليها حتى يوافي بها مولاه، ذلكم لأن العفة من الخصال الإيمانية، والسجايا النبوية، والأخلاق السلفية المَرْضية، التي توطأ التنزيل المحكم الكريم، وهدي النبي صلى الله عليه وسلم القيوم، على ذكرها، والرفع من شأنها، والحض عليها بالثناء على أهلها، وذكر جميل عواقبها على أهلها في الدارين، وعظم ثواب التحلي بها فضلًا من رب العالمين، فكانت العفة مما أثنى الله تعالى به على فقراء المهاجرين، وعدهم بها من الصادقين فقال: {لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة:273] ، وأمر سبحانه بأن يتحلى بها كل ذي حاجة حتى يغنيه الله بانقضاء حاجته من فضله، فجعل مجاهدة عبده في التحلي بعفته من أجله من أسباب منته سبحانه وتعالى عليه بفضله فقال: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النور:33] ، فأمر سبحانه وتعالى بالعفة ووعد عليها بالغنى، وأثنى بها على خواص من عباده، بأنهم مع ما هم فيه من الحاجة بل من الفاقة يتعففون، فلا يسألون الناس إلحافًا حتى يظنهم الجاهل بحالهم أغنياء لعزة نفوسهم، وتسترهم، وصبرهم، وشهد لهم سبحانه بصدق الإيمان، ورضي عنهم وأرضاهم، وأعد لهم علي الجنان، وأخبر بعظم فوزهم بكريم المثوبة من ربهم، كيف لا وقد فازوا بجميل الذكر، وعظيم الأجر، مع ما أدركوا في الدنيا من الغنى، وحسن العقبى، فضلًا من الله جل وعلا.
أيها الناس: