فهرس الكتاب

الصفحة 941 من 1601

إنَّ مَن في الدنيا ضيفٌ وما بيده عارِية، وإنَّ الضيف مرتحلٌ والعارية مردودة، ألاَ وإنَّ الدنيا عرَضٌ حاضِر يأكل منه البَرُّ والفاجِر، وإن الآخرة وعْدٌ صادِق يَحكُم فيها مَلِك ٌقادر، فرحِم الله امرأً نظرَ لنفسه، ومهد لرَمْسِه، ما دام رَسَنُه مرخًى، وحبْلُه على غاربه مُلقًى، فإنَّ هذه الدار دارُ الْتواء لا دار استواء، ومنزلُ تَرَح لا منزل فَرَح، مَن عرَفها لم يفرحْ لرخاء، ولا يحزن لشقاء، فإنَّ الله خلَقَها دارَ بلوى، والآخِرة دار عُقْبى، فجعَل بلوى الدنيا لثواب الآخرة سببًا، وثوابَ الآخرة مِن بلوى الدنيا عِوضًا، فيأخذ ليُعطي، ويَبتلي ليَجْزي.

فاتَّقوا الله حقَّ تقاته، واسعَوا في مرضاته، ولا تَحقِرُنَّ مِن المعاصي شيئًا وإنْ صغُر في أعينكم، فإنَّه كبيرٌ في حقِّ مَن عصيتم، وإنَّه لا صغيرةَ مع الإصرار، ولا كبيرةَ مع استغفار، فليأخذِ العبدُ مِن نفسه لنفسه، ومِن دنياه لآخرته، ومِن الشَّبيبة قبل الهَرَم، ومِن الحياة قبل الموت، فما بعدَ الموت مِن مُستعتَب، ولا بعد الدنيا إلا الجَنَّة أو النار، ومَن أراد السلام فليحفظْ ما جرى به لسانُه، وليحرسْ ما انطوى عليه جَنانُه، وليحسنْ عملَه، وليقصِّر أملَه، وإنما يُؤتى الناس يوم القيامة من إحدى ثلاث: إمَّا شُبهة في الدين ارتكبوها، أو شَهوة للذَّة آثَروها، أو غضْبة لحمية أعملوها، فإذا لاحتْ لكم شُبهة فاجْلُوها باليقين، وإذا عرضتْ لكم شهوة فاقذعوها بالزُّهْد، وإذا عرضتْ لكم غضبة فادْرؤوها بالعفو؛ فإنَّه ينادي منادٍ: مَن له على الله أَجْرٌ فليَقُم، فيقوم العافون عنِ الناس، فيقال لهم: ادْخُلوا الجنة بغيْر حساب: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40] .

سبحان ربِّك ربِّ العِزَّة عمَّا يصفون، وسلامٌ على المرسَلين، والحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم على عبده ورسوله نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحْبه أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت