فهرس الكتاب
ويقول: {وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [العنكبوت: 35] ؛ أي: علامة واضحة على قوَّة الله القاهرة، وحكمته الباهرة وسنَّته الظاهرة، فيمَن عَصاه من القرون الغابرة، يعتَبِر بها العُقَلاء، ويتَّعِظ بها السُّعَداء، فيتوبوا إلى الله، ويَرجِعوا إليه قبل نُزُول البلاء وحلول أنواع الشَّقاء، اللهمَّ إنَّا نعوذ بك من زَوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.
أيها المسلمون:
اعتبوا بحوداث الزمان، وسيروا النَّظَر في مُعظَم الأوطان؛ لترَوْا صِدقَ ما توعَّد الله به في القرآن، وما جاء عن نبيِّه محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - من عَظِيم البَيان، فكم أهلَكَ الله من المُعاصِرين، وكم أَشقَى في الحياة من الظالِمين، ممَّن أشبَهَ الأَكاسِرة والقَياصِرة وأمثالهم من الجبابرة، وكم أفنى من جموعهم الظاهرة الفاجرة، وكم بطَش بالعديد من المجتمعات الآثِمة السائرة في حَياتها على نَهْجِ القرون المكذِّبة الغابرة أخذَهَم الله أخذًا وبيلًا؟
أمَا سلَّط الله بعضَهم على بعض، فأخذوا ما لهم، وانتزَعُوا الملك من أيديهم، وأجلوهم من الأرض؟
أمَا أرسَلَ الله على بَعضِهم الطوفان، وابتَلاهُم الله بالعظيم من فتن الزمان؟
أمَا أصاب الله الآخَرين بالجدب وتَوالِي السنين، وآخَرين بجور الأئمَّة وأنواع الظَّلَمة؟
وكم أهلَكَ اللهُ من قريةٍ بالزلازل والخسْف، وأخرى بالحروب الأهليَّة وفرقة الصفِّ وشدَّة الخوف، أمَا ظهرت في هذه العصور شدَّة المؤونة وكثرة المَجاعات، وانتشرتْ في العديد من المُجتَمعات الأمراض المستعصِيَة والأوبِئَة المروِّعة في شتَّى الجِهات؟
أمَا ابتَلَى الله أوطانًا بالأعاصير الحسيَّة والمعنويَّة المُهلِكة للحرث والنسل؟
أمَا أتى الله بُنيَان آخَرين من القَواعِد فخَرَّ عليهم السَّقف من فَوقِهم، وأتاهم العَذاب من حيث لا يَشعُرون؟