وكان يقول: (( ليبلغ الشاهد منكم الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياي، فإنه من أبلغ سلطانًا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه، ثبت الله قدميه يوم القيامة ) ). وكان صلى الله عليه وسلم لا يذكر عنده إلا ذلك ولا يقبل من أحد غيره، ومن هديه صلوات الله وسلامه عليه في معاملة أصحابه ومن حوله، أنه كان يتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويُحسِّن الحسن ويقويه، ويُقبِّح القبيح ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه، وكان لا يجلس ولا يقوم إلا عن ذكر، مجلسه مجلس حلم وحياء، وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات. وكان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ ولا صخّاب ولا فحّاش ولا عيّاب ولا مدّاح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه راجيه، ولا يخيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث من المراء، أو الإكثار مما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث كان لا يذم أحدًا ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه.
وكان صلى الله عليه وسلم يسلم على من لقيه كبيرًا أو صغيرًا، ويشمت العاطس وكان يجل الكبير ويرحم الضعيف والصغير وكان يحظ على الهدية صلة بين الناس، وكان إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه فإن كان غائبًا دعا له، وإن كان شاهدًا زاره، وإن كان مريضًا عاده، وكان يختم مجلسه بالاستغفار، وكان رحيمًا، وكان إذا وعد أحدًا عده أنجز له إن كان عنده، وكان لا يدخر شيئًا لغد، وكان طويل الصمت قليل الضحك، وكان لا يضحك إلا تبسمًا، وكان لا يحدث حديثًا إلا تبسم، وكان إذا أتاه الأمر الذي يسره ربما سجد لله شكرًا، وقال الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، وإذا أتاه الأمر الذي يكرهه قال: الحمد لله على كل حال.