رجليْنِ مسلميْنِ كانا متصافييْنِ على الإسلام وفي طلب العلم، فغاب أحدهما عن صاحبه مدة طويلة، ثم التقيا؛ فإذا هذا الغائب قد تغيرت أحواله وأخلاقه، فسأله صاحبه وبحث معه في تبيين السبب الذي
أوصله إلى هذا التغير الذي لا يعهده منه؛ فإذا هو قد تغلبت عليه
دعايات الملحدين الذين يدعون لنبذ الدين ورفض ما جاء به سيد المرسلين، فحاوله صاحبه وقلبه على كل وجه لعله يرجع عن هذا الانقلاب الغريب الذي توجه به وجهة خبيثة؛ فلم يفد فيه النصح،
فعرف أن هذه علة تفتقر إلى استئصال أصل الداء ومقابلته بضده،
وأن ذلك متوقف على معرفة الأسباب التي حولته وإلى تمحيصها وتوضيحها ومقابلتها بما يضادها وبقمعها، وشرحها شرحًا يبين
مرتبتها من الحقيقة؛ فقال له مستكشفًا له عن الحامل له على ذلك، فقال له:
يا هذا! ما هذه الأسباب الي حملتك على ما أرى، وما
الذي دعاك إلى نبذ ما كنت عليه، فإن كان خيرًا كنت أنا وأنت
شريكين فيه وتابعتك على ذلك، وإلا؛ فانظر لنفسك، وانظر من
عقلك وأدبك أنك لا ترضى أن تقيم على ما يضرك ويثمرك الثمرات الرديئة!
فقال له: لا أخفيك العلم أني رأيت حالة المسلمين حالة لا يرضاها عاقل، رأيتهم في ذل وخمول وأمورهم مدبرة وأحوالهم سيئة، ورأيت في الجانب الآخر هؤلاء الأجانب قد ترقوا في هذه الحياة وتفننوا في الفنون