العجيبة، واخترعوا الاختراعات المدهشة والصناعات المتفوقة، وقد دانت لهم الأمم وصاروا يتحكمون في الأمم الضعيفة بما شاؤوا ويعتبرونهم كالعبيد لهم والأجراء وأدنى من ذلك؛ فرأيت منهم العز الذي بهرني والتفنن الذي أدهشني؛ فقلت في نفسي: لولا أن هؤلاء القوم هم القوم، وأنهم على الحق والمسلمون على ضده؛ ما كانوا على الوصف الذي ذكرت لك، فرأيت سلوكي سبيلهم خيرًا لي وأحمد عاقبة؛ فهذا الذي صيرني إلى ما رأيت.
فقال له صاحبه حين أبدى له ما كان مستورًا: إذا كان هذا هو السبب الذي حوَّلك إلى ما أرى؛ فهذا ليس من الأسباب والطرق والحقائق التي يبني عليها العقلاء وأولو الألباب عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم، ويعلقون بها مستقبلهم وآمالهم، أما تأخر المسلمين فيما ذكرت؛ فليس ذلك من دينهم، بل دينهم يضاد هذا أشد المضادة، وقد علمت وتيقنت ببعض ما عرفت أن دين الإسلام يدعو إلى الصلاح والإصلاح من كل وجه: إصلاح العقائد والأخلاق والدين والدنيا، وإصلاح الأحوال الداخلية والخارجية بكل وسيلة تصلح الأمة وتكف عنها عادية الأعداء، والاستعداد لهم بكل قوة تستطاع، وها هو لا تزال تعاليمه وإرشاداته قائمة لدينا، تنادي أهلها: هلموا إلى جميع الأسباب النافعة التي تعليكم وترقيكم وتعزكم في دينكم ودنياكم! أفبتفريط أهل الدين بل المنتسبين إلى الدين تحتج على الدين وتوالي أعداءه؟! أليس العاقل إذا رأى هذا التفريط منهم أوجب له أن يكون نشاطه وجهاده متضاعفًا لينال المقامات العالية