الله أولًا على هذه النعمة العظيمة وعلى حصول أكبر الوسائل التي يتوسل بها إلى سعادة الدنيا وسعادة الدين إذا عرف صاحبها كيف يدبرها؛ فأطال فكره الصحيح فيما يدبر به هذا المال، وعلم أن الدنيا وإن بلغت ما بلغت؛ فمآلها الزوال والاضمحلال؛ فاستعان بربه وسأله أن يبارك له فيه، وأن يجعله معونة له على أمور الدنيا وأمور الدين، وأن لا يكله إلى نفسه وتدبيره، وأن ييسر له الأسباب النافعة، ويصرف عنه بلطفه كل سبب ضار، فأخذه بحكمة ونية صالحة، عزم عزمًا جازمًا على أن يؤدي فيه الواجبات الدينية والمستحبات، أن يقوم فيه بواجب نفسه وعائلته، ومن يتصل به بحكمة واقتصاد، وجعل يسعى في الأسباب التي تنميه ويشاور على ذلك أهل الرأي والخبرة والمعرفة وكل سبب يباشره؛ فهو مستصحب للاعتماد على الله سائلًا من ربه أن ييسره له ويسهله، فحيث كان على هذا الأساس الطيب بارك الله في أمواله ونمَّاها، فتضاعفت أمواله، ونفذ ما كان نواه؛ علم أن أول واجب عليه إخراج الواجبات فيه؛ فأحصى كل نوع من المال على حدته، فأخرج زكاته معتقدًا أن أفضل ما أنفقت فيه الأموال ما يعود إلى صلاح الدِّين، ويستتبع ذلك صلاح الدنيا، وتعاهد مع ذلك الصدقة والإنفاق في كل مشروع بحسب الحال والمناسبات، ووصل أرحامه، وقام بحق الجيران والأصحاب والمعاملين، وهو مع ذلك مغتبط في دنياه، لم يقصر عليه من مصالح دنياه شيء، لم يذهب مع المسرفين في تبذيرهم، ولا مع البخلاء وأهل الشحِّ في إمساكهم، بل كما دبَّر الكسب والتجارة بحكمة؛ كذلك دبَّر التصريف والإنفاق بحكمة واقتصاد، وسلك أولاده