يجب علينا أن نتفاهم ويخبر كل منهما عن عقيدته وغايتها والسبب الذي أداه إليها والأدلة التي تؤيدها والإشكالات التي ترد عليها.
فقال الآخر: لا بأس، هذا هو اللازم على من يريد الوقوف على الحقائق واتباعها، ويريد الإنصاف، وهذه الطريقة العلمية التي اتفق عليها جميع العقلاء، ودعني أبين لك معتقدي والأسباب التي أدَّتني إليه والغايات التي أريدها بأعمالي.
فقال: هاتِ ما عندك.
فقال الملحد: أما معتقدي؛ فإني أعتقد بوجود جميع المحسوسات التي ينالها الحس وتدرك بالحواس، وأعترف بها، وأتبع النافع منها، وما سوى ذلك؛ فإني لا أعترف به، بل أنكره غاية الإنكار؛ فلا أعترف بالخالق ووحدانيته، فضلًا عن اعترافي بالوحي والرسل والمعاد؛ فكلها حيث لم يدركها حسِّي، ولم تدخل تحت معلوماتي، كيف أعترف بها وقد اقتديت في هذا السبيل بكثير من فلاسفة العلم الموجودين والمفقودين؛ فلي فيهم أسوة، وهم عندي نعم القدوة لشهرتهم وذكائهم وكمال معلوماتهم ومعقولاتهم.
وأما غايتي في هذا؛ فأريد الراحة التامة في هذه الحياة التي لا حياة بعدها، والانطلاق وراء مختارات النفوس وأغراضها، وعدم التقيد الذي هو غل للقلب وللجوارح؛ فقصدي أن تكون أعمالي كلها حرة وشهواتي كلها حاصلة، والأديان تمنع من هذا، وتجعل الإنسان في حبس، وتغل أعماله، وتشل حركاته كما ذكره علماؤنا وقدوتنا في هذا السبيل.