ويتفاءل على فضل الله بانحلاله عن الخطايا والذنوب، وأنه قد أدرك من ربه غاية المنى والمطلوب؛ فأفعال الحق وأقواله كلها أسرار وحكم المقصود منها القيام بالعبودية المتنوعة والإخلاص للمعبود؛ فالحج مبناه على الحب والإخلاص والتوحيد والثناء والذكر للحميد المجيد؛ فإنما شرعت المناسك لإقامة ذكر الله
ومن الحكم في ذلك: أن هذه عبادات في محل واحد ينتابه المسلمون من أقطار الأرض بعد المشقات وبذل نفائس النفقات؛ فكانت عبادة واحدة محتوية على جملة عبادات، وطاعة وقربة هي عدة طاعات وقربات؛ فالذين جاءوا إليها من كل فج عميق متحملين ما شاء الله أن يتحملوا من وسائلها وطرقها وما لا تتم إلا به، وربما كان بعضهم قد جمع بين وصوله بنفسه والسعي في إيصال غيره إلى هذا النسك محتسبا أجره راجيا ثوابه؛ فكان من المناسب غاية المناسبة أن يرجعوا وقد ظفروا بعدة عبادات وحصل لهم كثير من الطاعات وأنواع المغانم والمكاسب والتجارات الرابحات؛ فيا لها من عبادة جمعت من العمل فنونا ومن الخير أنواعا !
وكان من حكمة الله أيضا في تعدد عباداتها ومواضعها:
أن المقيمين في مكة ونواحيها يشاركون في المشقة وبذل النفقات
من كان عنها بعيدا، ولهذا يستعدون بالأزواد والمراكب وإن كان الموضع قريبا؛ فكأنه من تحملهم له واستعدادهم له سفر بعيد؛ فيحصل لهم ما حصل للنائين.