فهرس الكتاب

الصفحة 1608 من 1738

والثانية: قَطْع إلحاق استعمال الجلدِ بأكلِ اللَّحمِ، وأنه لا يصحُّ قياسُه عليه، فلو أن قائلًا قاله: وإن دلَّتِ الآيةُ على تحريم الأكل وحدَه، فتحريم ملابَسَة الجلدِ قياسًا عليه، كان قياسُه باطلًا بالنَّصِّ؛ إذ لا يلزمُ من تحريمِ الملابسةِ الباطِنةِ بالتَعَدي تحريمُ ملابَسَةِ الجلدِ ظاهرًا بعد الدِّباغِ.

ففي هذا الحديثِ: بيان الموادِ من الآيةِ، وبيان: فسادِ إلحاقِ الجِلْد باللَّحم. وتأمَّلْ قوله - صلى الله عليه وسلم - لأبي النعمان بن بَشِير وقد خصَّ ابنَهُ بالنُخل:"أَتحِبُّ أنْ يَكُونْوا في البِرِّ سَواءً" [1] ؟ كيف تجدُهُ مُتَضَمِّنا لبيانِ الوصف الدَّاعي إلى شرع التَسْوِيَةِ بينَ الأولاد، وهو العَدلُ الذي قامتْ به السمواتُ والأرضُ، فكما أنك تحِبُّ أن يستووا في بِرِّكَ، وأنْ لا ينفردَ أحدُهم ببِرِّكَ وتُحرَمَهُ من الآخَرِ، فكيف ينبغي أن تُفرِدَ أَحَدَهما بالعَطِيَّة وتَحْرِمَها الآخرَ؟ ! .

وتأمَّل قولَه - صلى الله عليه وسلم - لعمر وقد استأذنه في قتل حاطب، فقال:"وَمَا يُدرِيكَ؟ لَعَلَّ اللهَ اطْلَعَ على أهْلَ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئتم، فَقَدْ غفرتُ لَكُمْ" [2] ، كيف تجدُهُ متضمِّنا لحكم القاعدةِ التي اختلفَ فيها أربابُ الجدَلِ والأصوليُّون، وهي: أن التعليلَ بالمانِع هل يفتقرُ إلى قيامِ المقتضي، فعلَّلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عصمةَ دمِهِ بشهودِه بَدرًا دونَ الإِسلام العامَّ، فدلَّ على أن مُقْتضى قتلِهِ كان قد وُجِدَ وعارَض سببَ العصمةِ،

(1) أخرجه البخاري رقم (2586) ، ومسلم رقم (1623) من حديث النعمان بن بشير -رضي الله عنهما-.

(2) تقدم تخريجه (3/ 1037) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت