فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 381

وكذلك {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [1] قدم المفعول، وهو «مما رزقناهم» لئلا يتوهم بتقدير تأخيره جواز الإنفاق مما ليس بمملوك لهم.

لا يقال: أي حاجة إلى هذا الاحتراز مع اتفاق العقل، وقواعد الشرع، على المنع من التصرف في غير الملك؟

لأنا نقول: الكلام ينبغي أن يكون مفيدا بليغا لذاته، لا بالنظر إلى دليل خارج، فنحن استفدنا هذا المعنى من هذا اللفظ، والأدلة الخارجة عنه مؤكدات له.

ونعني بالاختصاص: اختصاص المفعول بالفعل المتعقب له، وتقريره: أنك لو قدمت الفعل في «زيدا ضربت» مثلا، فقلت: «ضربت» لبقي السامع مترددا في عين المفعول، لا يعلمها حتى تفرغ من التلفظ بالفعل، ثم تصرح به، ولكنت مخيرا قبل تمام التلفظ بالفعل في إيقاعه على من شئت.

وإذا قدمت المفعول، علم السامع عينه بمجرد ذكره قبل ذكر الفعل، وامتنع اختيارك في الإيقاع إلا عليه، لتعين الفعل له بتقديمه، وهذا هو المراد بالاختصاص.

فإن قلت: هذا تدقيق لا طائل تحته من وجهين:

أحدهما: أن الفعل متصل بالمفعول عادة، وزمن التلفظ بهما يسير جدا لا يتسع لتردد السامع، وإن اتسع له، فإنه يزول سريعا بذكر المفعول على الفور.

الثاني: أن الزمن المذكور لا يتسع لتحير المتكلم في الإيقاع على من شاء، ولأن اللفظ ترجمان المعنى النفساني، ومحال أن يتصور المتكلم في نفسه معنى «ضربت زيدا» ثم يعدل في اللفظ إلى «ضربت عمرا» أو غيره.

قلت: الجواب عن الأول: إن حصول التردد للسامع في المفعول بتقدير تقديم الفعل مما لا يراع فيه إذ هو مدرك حسّا، ولا شك في أن عدم هذا التردد أولى من وجوده، وإن قل زمنه، وإلا لاختلّت بلاغة الكلام كما سبق قوله. وإن اتسع له فإنه يزول على الفور بذكر المفعول ضعيف إذ قد يعترض بين الفعل والمفعول كلام كثير، فيطول زمن التردد، أو يعرض للمتكلم ما يمنعه عن ذكره من عطاس، أو سعال، أو

(1) سورة البقرة آية 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت