تجافيان [1] متقارب الحروف وتملّانه، كما يملان تكرار الحرف الواحد من المخرج الواحد لما في ذلك من ثقل التلفظ، والله أعلم.
قد صقلتها الألسن، وآنست بها الأسماع والقلوب، لكثرة دورانها في الاصطلاح، غير وحشية، ولا متوعرة، ولهذا لم يكن في القرآن العزيز شيء من الوحشي، ولو ورد فيه لما قبح لأنه لسان المخاطبين به وعرفهم، ولكن لما كان مستمرا في القرون والأمصار تلاوة وكتابة واستعمالا، أنزله الله تعالى عريّا عن الوحشي بالنسبة إلى من يأتي بعد من خوطب به.
واعلم أن الكلمة ليست لذاتها وحشية ولا مألوفة، بل هذه صفة إضافية لها، وهي بالإضافة إلى من كثر دورانها في كلامه، وأنس بها سمعه مألوفة، وبالإضافة إلى عكسه بالعكس، ألا ترى أن العرب كانوا يستعملون في مفاوضاتهم ألفاظا لا يفهمها من أهل زماننا إلا كل فاضل بارع نظر في كتب اللغة، وقرأ على الشيوخ، وكان ذلك بالنسبة إليهم فصيحا حسنا رائقا، كالألفاظ التي في حديث أم زرع [2] ، وحديث طهفة بن أبي زهير النهديّ [3] ، ولو استعمل أحد من هؤلاء الحاضرة تكلفا، لعدّ قبيحا، ومن عده فصاحة أخطأ، وذلك قول ابن الرومي:
أسقني السكركة الصّنبر في جعضلفونه
واترك الفيجن فيه يا خليلي بغصونه [4]
وقول الآخر في صفة المطر:
متغطمط غصب الوحوش مكانها ... تياره فالضب جار الضّفدع [5]
(1) في الأصل: تجاف.
(2) رواه البخاري، انظر عمدة القارئ شرح صحيح البخاري 16820، وهو حديث طويل يشمل إحدى عشرة امرأة يتحدثن عن أزواجهن.
(3) نهد: إحدى قبائل اليمن، وقد قام طهفة عن وفد بني نهد يتحدث عنهم أمام الرسول وذكر حديثا فيه غريب كثير. انظر الإصابة في تمييز الصحابة 2983ط المشرفية.
(4) الفيجن: السّذاب، قال ابن دريد: ولا أحسبها عربية صحيحة، وقد أفجن الرجل إذا دام على أكل السذاب. اللسان مادة فجن.
(5) بحر متغطمط: كثير الأمواج له صوت مسموع. اللسان مادة غطمط.