ومن هذا الفرع تكرير قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [1] في سورة الشعراء مرارا إذ اللفظ ومعناه فيهن متحد، والمقصود متعدد: إهلاك كل واحد من تلك القرون، آية للكفار غير الآية الحاصلة بإهلاك الفريق الآخر.
فمنه قوله تعالى:
{لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ} [2] . {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ} [3]
وهذا يحسن عند طول الفصل بين المكررين تطرية لسمع السامع مع التأكيد، وهو في السنة واقع كثيرا.
ومنه: {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} [4]
قال ابن الأثير [5] : فتكرير «من قبله» يدل على بعد عهدهم بالمطر وتطاوله، فاشتد لذلك يأسهم، فكان استبشارهم بالمطر على قدر اغتمامهم لانقطاعه.
قلت: هذا الذي ذكره لا شك أنه مستفاد من الكلام، لا من تكرير لفظ القبليّة فإنه لا يفيده البتة، بل هو من قرينة الاستبشار والإبلاس لأن الناس إنما يستبشرون غالبا بقدوم ما طالبت غيبته، ولا يبلسون وييأسون إلا من مثل ذلك.
فيقال: استبشر زيد بقدوم أخيه من مكة، ونحوها، ولا يقولون: استبشر بقدومه من المسجد أو السوق، وييأس منه إذا طالت غيبته، لا إذا قصرت، ولهذا إذا مرت على المفقود لغيبة ليس ظاهرها الهلاك، تسعون سنة، قسم ميراثه ونكحت امرأته للإياس منه، ولا يجوز قبل ذلك.
(1) سورة الشعراء الآية 8، 9.
(2) سورة آل عمران الآية 188.
(3) سورة المؤمنون آية 35.
(4) سورة الروم آية 49.
(5) الجامع الكبير ص 206