فهرس الكتاب

الصفحة 311 من 381

النوع الخامس والعشرون: الاستدراج

وهو التوصل إلى بلوغ المراد من المخاطب بالتلطف من حيث لا يشعر.

فمنه قول إبراهيم عليه السلام لأبيه: {يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا. يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا. يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا. يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [1] . فطلب منه أولا العلة، والدليل على استحقاق آلهته العبادة، وضمن ذلك الدليل على أنها لا تستحقها، وهو كونها لا تسمع ولا تبصر، ومن كان كذلك فهو جدير أن لا يغني عنك شيئا، وأنت جدير أن لا تعبده، ثم ارتفع عن ذلك يسيرا، فقال: «إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني» . ولم يصرح له بالتجهيل تأدبا وتلطفا، ثم ارتفع عن ذلك قليلا، فقال: «لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيّا» . فيريد أن يجعلك مثله وهو عدوك، ولكن لشدة إخلاص إبراهيم ومناصحته لربه، اقتصر على إخباره بمعصية الشيطان للرحمن، ولم يلتفت إلى عدوانه لأبيه، ثم ارتفع قليلا فتوعده بالعذاب غير مصرح، بل قال: «إني أخاف أن يمسّك عذاب الرحمن» . هذا مع تصديره كل جملة من الكلام بقوله: «يا أبت» تقرّبا إلى قلبه، واستعطافا له، فكان جوابه له أن {قَالَ: أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [2] . فأنكر عليه رغبته عن آلهته إنكارا عنيفا لتقديمه الخبر على المبتدأ، وسمّاه باسمه، ولم يقل له: يا بني، كما قال له: يا أبت، وتوعّده بالرّجم توعّدا مؤكدا لا تعريضا، كما قال هو له «إني أخاف أن يمسّك» وأمره بهجرانه مليّا إظهارا لتبرئه منه، وجفوته له، وكراهة ما جاء به، وهذا ضد الاستدراج.

(1) سورة مريم آية 4542

(2) سورة مريم آية 46.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت