فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 381

يسوؤهم، كما أخبر عنهم بقوله: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ} [1] فقدم ذكرهن تنبيها على أنه قادر، ولما يشاء فاعل، وأن إرادتهم لا تأثير لها، ثم لما أخر الذكور ومن حقهم التقديم، تدارك أمرهم بجبر نقصهم، فعرفهم لأن التعريف أفضل من التنكير تنبيها على أن تقديم الإناث للعارض المذكور، لا لاستحقاقهن التقديم، فلما رجح المرجوح من جهة جبر الراجح من جهة، ثم أعطى بعد ذلك كل ذي حق حقه لزوال المانع بقوله: {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا} [2] ثم قد علمت أنه في هذه الآية قدم ذكر السموات على الأرض لأن ملك السماء أعظم فتقديمه أدل على العظمة والقدرة والملكة.

وكذلك قدمها في سورة سبأ في قوله: {عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ} [3] لأن معلومات السماء أدق وأكثر، وهو أبلغ في الدلالة على كمال العلم.

وقال في يونس: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ، وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [4] ، فقدم الأرض لأنه صدر الآية بذكر أهل الأرض، ومن أمعن النظر، وجد لكل تقديم وتأخير في القرآن مقتضيا مناسبا، ولابن الدهان [5] في ذلك كتاب كبير حسن، وفيما ذكرناه تنبيه على ما أهملناه.

النوع الثالث عشر: في التخلص والاقتضاب

أما التخلص: فهو الانفصال من شيء إلى غيره، والمراد به هنا، خروج المتكلم من

(1) سورة النحل الآية 58.

(2) سورة الشورى الآية 50.

(3) سورة سبأ الآية 3.

(4) سورة يونس الآية 61.

(5) هو محمد بن علي عمر المازني الدهان، كان يعمل في صناعة الدهان وينظم الشعر الرقيق ويلحنه، توفي 721هـ. فوات الوفيات لا بن شاكر 2/ 249.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت