ولو عكس، لكان من باب تقديم الأفضل فالأفضل، وهم في الأفضلية على هذا الترتيب.
وعلى هذا، فمتى تفاوت الشيئان فصاعدا في وصفين، فلك تقديم أيهما شئت باعتبار رجحانه في وصفه، لاستوائهما يكون كل منهما راجحا من وجه، مرجوحا من وجه، نعم إن كان تقديم أحدهما أنسب لسياق الكلام ومطلعه، كان تقديمه أولى، فمن ذلك آية النور، تقديم الأعجب فالأعجب فيها أنسب لما قبله من سياق الكلام ألا ترى أنه تعالى ذكر عجائب مصنوعاته تنبيها على قدرته بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا} [1] ثم ذكر العجائب العلوية من: برد، وبرق، ومطر، وغير ذلك، ثم ذكر الدواب، فكان المناسب تقديمه ما ذكر.
ومنه آية الملائكة، فإنها سيقت لبيان استحقاقه الحمد، وتذكير العباد نعمه عليهم، وتحذيرهم من متابعة الشيطان، وإنكار كلمهم وكفرهم عليهم، ثم عقب ذلك بذكر المخلوقات الكثيرة بقوله: {فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا. وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ. وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ} [2] فناسب ذلك تقديم الظالم والمقتصد المفضولين. وتقديم الأكثر فالأكثر.
ومنه قوله تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ. يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا. وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ} [3] فقدم الآيات وإن كان من حقهن التأخير لأن هذه الآية ذكرت في سياق قوله: {وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا. وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ} [4] فذمهم على الفرح بالرحمة والتبرم بالسيئة، ثم أشار إلى أنه المالك الحقيقي المطلق، وأنه تعالى: {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [5] سواء أساءهم أو أفرحهم وأن ذلك ليس بنافعهم، وكأن خلق الآيات مما
(1) سورة النور آية 43.
(2) سورة فاطر آية 27، 28.
(3) سورة الشورى آية 49.
(4) سورة الشورى آية 48.
(5) سورة هود آية 107.