وكقول بعضهم وقد اعتلّت أمّه، فكتب رقاعا وألقاها في المسجد الجامع ببغداد [1] : «صين امرؤ ورعى، دعا لامرأة مقسئنة، قد منيت بأكل الطرموق فأصابها من أجله الاستمصال، أن يمن عليها بالاطرغشاش، والانبخال» [2] فكل من قرأها، لعنه ولعن أمه ودعا عليهما.
وكقول الآخر [3] : إن كانت إلا أثوابا في أسيفاط قبضها عشّاروك. فهذه ألفاظ وحشية قبيحة الاستعمال في عصرها، إلا أن الناظم فيها أعذر من الناثر لانطلاق عنانه في التأليف، وتقييد الناظم بقيد العروض، والتزام القافية، لكن ينبغي له اجتناب الوحشي ما أمكن، فإن قول القائل «متغطمط» لو جعل عوضها متدارك، أو متراكم، أو متلاطم، لأدت معناها، على أن لفظة «متغطمط» لا أراها متوغلة في التوحش، ولفظها مشعر بالكثرة، والحركة، وشدة الاضطراب، والغليان، فلا يقوم مقامها شيء من الألفاظ المذكورة، والله أعلم.
القسم الأول: أن يدرك اللفظ بالوضع على معنى، فتنقله العامة إلى غيره
، وهو نوعان:
النوع الأول: ما نقلته إلى معنى مستقبح
كقول المتنبي:
أذاق الغواني حسنه ما أذقنني ... وعفّ فجازاهنّ عني على الصرم [4]
(1) أراد به جامع المنصور بالجانب الغربي من بغداد العتيقة.
(2) مقسئنة: قال الجوهري: اقسأن الرجل اقسئنانا: إذا كبر.
الطرموق: الطين. الاستمصال: الإسهال. اطرغشاش: اطرغش إذا أبلّ وبرأ، والابرغشاش بدلا من الانبخال في الجامع الكبير 47.
(3) في اللسان «قول عيسى بن عمر لا بن هبيرة وهو يضرب بين يديه بالسياط: تالله إن كنت إلا أثيابا في أسيفاط قبضها عشاروك» مادة عشر. والأسيفاط: تصغير أسفاط جمع سفط، وهو وعاء كالجوالق والعشار: قابض العشر.
(4) هذا البيت من قصيدة مطلعها:
ملام النوى في ظلمها غاية الظلم ... لعل بها مثل الذي بي من السّقم
شرح الديوان 474لأبي البقاء العكبري