فإن قلت الماضي أدل على هذا المقصود من اسم المفعول، فلم عدل عنه إلى ما دلالته أضعف؟
قلت: لتحصيل المناسبة بين مجموع ومشهود في استواء بنائهما، طلبا للتعديل في العبارة، ولولا هذا المعارض لكان الإتيان بلفظ «جمع الناس» فيه أولى في حكم هذه الصياغة، والله أعلم بالصواب.
، وهو إرادة خلاف ظاهر الكلام، كقول عليّ رضي الله عنه في صفة مجلس النبي صلّى الله عليه وسلّم «لا تنثى فلتاته» إذ ظاهره أنه كانت له فلتات، لكنها لا تنثى، أي لا تذاع، وليس المراد ذلك بل المراد: أنه لم يكن له فلتات فتذاع.
وكذا قول الشاعر في وصف بريّة يصفها بالصعوبة: [1]
ولا ترى الضبّ بها ينجحر
ظاهره أن بها ضبا، لكنه لا ينجحر، أي: لا يدخل سربه، والمراد: أن ليس بها ضب ينجحر، ومثل هذا يعرف بالقرائن المحققة للكلام، كقرينة وصف علي رضي الله عنه لمجلس النبي صلّى الله عليه وسلّم بالنزاهة من العيوب، ووصف الشاعر البرية بكونها مقطعة لا حيوان فيها، فإنهما تنافيان إثبات الفلتات، والضب، فتعين الحمل على عكس الظاهر:
وحقيقة هذا أنه تأويل لدليل، وأنه من قبيل «السالبة البسيطة» التي أحد محتملها: انتفاء محمولها لانتفاء موضوعها، نحو: «زيد ليس بكاتب» إذ سلبت الكتابة عنه يحتمل أنه لأميّته مع وجود ذاته، ويحتمل أنه لعدمه أصلا، إذ يصدق على المعدوم أنه ليس بكاتب، ولا متصف بشيء لانتفاء ما تقوم به الصفات، لا يقال هذا
(1) هذا عجز بيت قاله عمرو بن أحمر في وصف مفازة وصدره.
لا يفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضب بها ينجحر
وفي اللسان جحر الضب: دخل جحره مادة جحر